من مقاعد الدراسة إلى لقاء السبعين: خريجو تجارية الدمام ونموذج التقاعد النشط

لقاء في عمر السبعين بعد 52 عاماً: حين يتحول التقاعد إلى نموذج ملهم للشغف والعطاء

بقلم: عبدالله سلمان العوامي

يوم الثلاثاء: ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦م

تظل بعض اللقاءات الاجتماعية أكثر من مجرد مناسبة للسلام واسترجاع الذكريات؛ إذ تحولها رصانة التجارب وعمق الخبرات التراكمية إلى منصات تثاقف حقيقية تلهم العقل وتنعش الروح. وهذا ما تجسد جلياً في الذكرى الثانية والخمسين لتخرجهم، حيث التقى خريجو الدفعة الثانية للثانوية التجارية بالدمام (1974م) في جزيرة تاروت، وذلك يوم السبت 17 أكتوبر 2026م، حيث شارك الجميع بتجاربهم ونشاطاتهم واستمتعوا بالحديث مع الزملاء وسُعدوا كثيراً بلقائهم.

وقد تجلى الكرم التاروتي الأصيل في أبهى صوره خلال هذا اللقاء، بدءاً من حسن الاستقبال واختيار المكان، وصولاً إلى جودة الضيافة. وشهد اللقاء حضوراً متنوّعاً من معظم قرى ومدن محافظة القطيف، فيما تعذَّر حضور بعض الإخوة من الجش وصفوى وأم الساهك والدمام، على أمل اللقاء بهم في المناسبات القادمة.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً، كانت اللقاءات سلفاً تتسم بالمشاهدات الفردية بين الحين والآخر، حتى تضافرت جهود بعض الإخوة لِلمّ الشمل، لتنتظم اللقاءات بمعدل مرّة أو مرتين سنوياً حسب الظروف. وكان المقصد الأساسي هو التواصل واكتساب أخبار الأهل والأنشطة؛ غير أن هذا اللقاء تميّز بمساحة أوسع للتثاقف، وتبادل الرؤى حول استثمار مرحلة التقاعد، وأهمية مواصلة العطاء والإنجاز في هذه المرحلة العمرية.

وحين يُذكر التقاعد والسنين المتقدمة، تُسجَّل حقيقة أن معظم إخوة هذه الدفعة قد بلغوا السبعين أو تجاوزوها، إلا أن العمر يظل مجرد رقم، وتظل الصحة والنشاط والإنتاج هي المعايير الحقيقية لقياس حيوية الإنسان.

ودار حديث شائق ومتشعب، يتعذر حصر كافة مفرداته وتوثيق جميع تفاصيله في مقال واحد. ودعني هنا أشارك ببعض مقتطفات تلك الأحاديث والنجاحات التي تخللت هذا اليوم الجميل، آثراً الابتعاد عن ذكر أسماء أصحابها؛ إذ العبرة والغاية تتجليان في مضمون القصة وأثر التجربة الملهمة:

  1. اعتزاز أحد الإخوة بأبنائه من الأطباء الماهرين والمميزين الذين يعملون داخل المملكة وخارجها.
  2. تولي أحد الزملاء رئاسة تحرير موقع إخباري.
  3. استمرار أحدهم في العطاء الميداني على رأس العمل في قسم المشتريات.
  4. إنجاز أحدهم لفهرسة وبرنامج خاص بالقرآن الكريم يُعد من المنصات الفريدة والمتميزة.
  5. استمتاع الحضور بأصناف حلوى مميزة من إنتاج مشروع خاص تملكه ابنة أحد الزملاء.
  6. ممارسة أحد الإخوة لنشاط الكتابة والترجمة.
  7. اهتمام بعض الزملاء بالاستكشاف والسفر المستمر إلى مختلف دول العالم.
  8. مشاركة بعض العقاريين لخبراتهم ونشاطاتهم وإنجازاتهم الاستثمارية.
  9. اهتمام أحدهم بإدارة بعض الأوقاف وتطويرها وتحسينها.
  10. إسهام البعض الآخر في نشر الوعي وتربية الأجيال.
  11. استمرار أحدهم في العطاء التطوعي الميداني لخدمة مجتمعه حتى يومنا هذا، ممتداً مسيرة حافلة أثمرت سابقاً في قيادة رئاسة النادي الرياضي ورئاسة الجمعية الخيرية في بلدته لسنوات طويلة.
  12. مشاركة العديد من الإخوة الزملاء في مجالات العمل التطوعي عبر المؤسسات الأهلية والرسمية؛ كالأندية الرياضية والجمعيات الخيرية في مختلف مناطق إقامتهم.
  13. حرص الأكثرية على ممارسة الرياضة اليومية وخاصة المشي؛ فيما استمر أحدهم في تقديم الاستشارات الرياضية بحكم خبرته الطويلة كلاعب ثم مدرب سابق في لعبة مشهورة.
  14. الاستمتاع بتداخلات ومداعبات صاحب الظل الخفيف وفاكهة المجلس، الأخ العزيز “أبو فاطمة”، التي أضفت أجواءً من المرح والبهجة على الحضور.

إن هذا التنوع الثقافي والمهني والاجتماعي يُضفي على اللقاء متعة وفائدة جليّة، ويُنشط الروح والقلب قبل العقل، ليظل الشوق متجدداً دائماً لنلتقي في المناسبات القادمة.

ويؤكد هذا التنوع اللفتات العميقة التي حملها اللقاء؛ إذ يبرهن على أن مرحلة التقاعد لدى أبناء الدفعة لم تكن استراحة محارب أو انكفاءً، بل كانت بداية لفصل جديد من العطاء المنظم القائم على الشغف واستثمار الخبرات.

ويمكن تحليل أبرز محاور هذا اللقاء وبشكل مختصر في النقاط التالية:

  1. إعادة تعريف التقاعد والمرونة الذهنية: التحول من مجرد ترك الوظيفة إلى الانطلاق في مسارات جديدة كالكتابة، والترجمة، والبرمجة، والاستكشاف الصحفي والمعرفي، مما يعكس حيوية ذهنية متجددة.
  2. الشمولية في العطاء والمسؤولية المجتمعية: انخراط الإخوة في مجالات تطوعية وأهلية حافلة، وتوزيع الاهتمامات بين أبعاد روحية (كخدمة القرآن والأوقاف)، واجتماعية (كالعمل المؤسسي في الأندية والجمعيات)، واقتصادية.
  3. العناية بالصحة البدنية وجودة الحياة: الوعي بضرورة النمط الصحي المتمثل في الممارسة اليومية للرياضة والمشي، إلى جانب استثمار الخبرات التخصصية بالتدريب والاستشارات الرياضية.
  4. امتداد الأثر والدفء الأسري: تجلي النجاح في تمكين الأجيال القادمة ودعمهم، سواء بالافتخار بنجاحاتهم الاكاديمية والمهنية وأيضا المجتمعية أو بدعم المشاريع الناشئة لأبنائهم.
  5. القيمة الاجتماعية والروح الأخوية: تحول اللقاء إلى منصة تجمع بين التثاقف وتبادل الخبرات الحية وبين إشاعة روح المرح والدعابة التي يضفيها حضور الأحبة، مما يعزز الروابط ويجدد طاقات الروح والقلب.

إن هذه اللقاءات الاستثنائية ببعدها الإنساني والمعرفي ترسم صورة ملهمة لكيفية تعاطي الإنسان مع سن السبعين وما بعدها؛ فهي تعيد تعريف التقاعد باعتباره محطة لانطلاق الشغف واستدامة العطاء، لا نقطة للتراجع. ويبقى الوفاء بين رفقاء العقود الخمسة هو الجسر الذي يعبرون عليه نحو تجدد دائم، متطلعين بشوق وشغف إلى محطات ولقاءات قادمة تجمع شملهم على الخير والمحبة.

المقال السابق أملٌ جديد في مواجهة الزهايمر: كيف يسهم الغذاء والبيئة ونمط الحياة في حماية الذاكرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *