بين قفص الاستقرار وفوضى الاكتشاف: لماذا ينتهي التقدم بانهيار مفاجئ؟

ومضات معرفية من كتاب ” كيف ينتهي التقدم: التكنولوجيا، الابتكار، ومصير الأمم”

ترجمة وبتصرف: عبدالله سلمان العوامي

تاريخ نشر الترجمة: ١٧ يوليو ٢٠٢٦م

تاريخ اصدار الكتاب: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٥

اسم المؤلف: السيد كارل بينيديكت فري (Carl Benedikt Frey)، نبذة مختصرة عن سيرته الذاتية تجدها في الصفحة الأخيرة.

اسم الكتاب باللغتين العربية والانجليزية:

كيف ينتهي التقدم: التكنولوجيا، الابتكار، ومصير الأمم

How Progress Ends: Technology, Innovation, and the Fate of Nations

 

المصدر: منصة الوميض Blinkist

تنصّل:

لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.

وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.

تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون Amazon:

أُدرج هذا الكتاب ضمن القائمة القصيرة لجائزة كتاب العام في مجال الأعمال من “فاينانشال تايمز” و”شرودرز” (Financial Times and Schroders Business Book of the Year Award)

يشرح هذا الكتاب كيف تُبيّن ألف عام من التاريخ العالمي لماذا يعقب التقدم التكنولوجي والاقتصادي غالباً ركودٌ بل وحتى انهيار.

في كتاب “كيف ينتهي التقدم” (How Progress Ends)، يتحدى المؤلف السيد كارل بينيديكت فري (Carl Benedikt Frey) الاعتقاد السائد بأن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي أمر حتمي. فخلال معظم التاريخ البشري، كان الركود هو السائد، وحتى اليوم، لم يرتقِ التقدم والازدهار في أكبر اقتصادات العالم وأكثرها تقدماً — الولايات المتحدة والصين — إلى مستوى التوقعات. ولإدراك سبب عدم قدرتنا على الاعتماد على أي قفزة كبرى إلى الأمام يقودها الذكاء الاصطناعي  (AI)، يُقدّم السيد فري رحلة لافتة وآسرة عبر العالم، تمتد على مدى الألف عام الماضية، ليشرح لماذا تزدهر بعض المجتمعات ويفشل غيرها في أعقاب التغيّر التكنولوجي المتسارع.

من خلال دراسة محطات تاريخية رئيسية — بدءاً من ظهور المحرك البخاري وحتى فجر الذكاء الاصطناعي (AI) — يوضح السيد فري (Frey) كيف ساهمت التحولات التكنولوجية في تشكيل حضارات بأكملها، بل وزعزعت استقرارها في بعض الأحيان. كما يبحث في الأسباب التي جعلت قوى تكنولوجية رائدة في الماضي — مثل سلالة أسرة سونغ في الصين (Song China)، والجمهورية الهولندية (Dutch Republic)، وبريطانيا في العصر الفيكتوري (Victorian Britain) — تفقد في نهاية المطاف قدرتها الابتكارية، ولماذا شهدت بعض الأمم الحديثة كاليابان (Japan) فترات من النمو المتسارع أعقبها ركود، ولماذا انهارت الاقتصادات التي تهتم بالتخطيط كالاتحاد السوفيتي (Soviet Union)  بعد موجات وجيزة من التقدم.

ويكشف السيد فري (Frey) عن توتر متكرّر في التاريخ: فبينما تُعزّز اللامركزية (Decentralization)  استكشاف التقنيات الجديدة، تكون البيروقراطية (Bureaucracy) بالغة الأهمية لتوسيع نطاقها. وحين تُخفق المؤسسات في التكيّف مع التغيّر التكنولوجي، يتبع ذلك الركود حتماً. ولا تستطيع الأمم الابتكار والنمو على المدى البعيد إلا بالموازنة الدقيقة بين اللامركزية والبيروقراطية — وهي نتائج تحمل تبعات مقلقة للولايات المتحدة الامريكية (United States) وأوروبا (Europe) والصين(China) وسائر الاقتصادات اليوم.

ومن خلال سرد غني يدمج بين التاريخ والاقتصاد والتكنولوجيا، يكشف كتاب “كيف ينتهي التقدم” (How Progress Ends) أن إدارة المستقبل تتطلب منا استخلاص الدروس الصحيحة من الماضي.

بعض آراء النقاد حول الكتاب:

  1. السيد مصطفى سليمان (Mustafa Suleyman)، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي (Microsoft AI)، يكتب ويقول: “في كتابكيف ينتهي التقدم (How Progress Ends)، يُقدّم السيد كارل بينيديكت فري (Carl Benedikt Frey) إجابة جريئة عن أحد أكثر أسئلة التاريخ — والإنسانية — جوهريةً: ما الذي يحرك التكنولوجيا والابتكار؟ إن هذا الكتاب، الملحمي في نطاقه والمفعم بالتفاصيل الدقيقة، يبحث في العوامل التي تصنع المكاسب المجتمعية وتلك التي تعكس مسارها، ويتساءل عن الطريقة المثلى التي ينبغي لنا بها إدارة السعي وراء التقنيات الجديدة، ويلمح إلى ما سيحدث بعد ذلك في خضم ثورة الذكاء الاصطناعي (AI). يقدم السيد فري، باعتباره أحد المفكرين الرئيسيين في هذا المجال، كتاباً عظيماً ومُلحّاً يعد قراءة ضرورية لكل من يهتم بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا”.
  2. السيد دارون عاصم أوغلو (Daron Acemoglu)، الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل (Nobel) والمؤلف المشارك لكتاب “القوة والتقدم: صراعنا الممتد ألف عام حول التكنولوجيا والازدهار” (Power and Progress: Our Thousand-Year Struggle Over Technology and Prosperity)، يكتب ويقول: “تتأرجح النقاشات حول الذكاء الاصطناعي بين آمال في أن يجلب لنا قدرات وثروات لا حدود لها، ومخاوف من أن يُحوّلنا إلى العبودية أو ما هو أسوأ. ولكن في كتاب كيف ينتهي التقدم، يوضح السيد كارل بينيديكت فري أن السؤال الحقيقي هو كيف سيتكيّف الإبداع البشري والابتكار مع عصر الذكاء الاصطناعي القوي. ولا يمكنني أتخيّل مكاناً أفضل للعثور على الإجابات من هذا الكتاب الذكي الواسع الآفاق، الذي يُذكّرنا بأن المؤسسات البشرية والثقافة كانت دائماً بالغة الأهمية للابتكار والتقدم.”
  3. السيد توني بلير (Tony Blair)، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمعهد توني بلير (Tony Blair Institute) ورئيس الوزراء الأسبق لبريطانيا وأيرلندا الشمالية  (Britain and Northern Ireland)، يكتب ويقول: يكشف السيد فري(Frey) ببراعة لماذا تزدهر بعض الأمم فيما تتعثّر أخرى في فترات الاضطراب التكنولوجي. وفي وقت يُعيد فيه الذكاء الاصطناعي (AI) تشكيل عالمنا، يُقدّم هذا الكتاب دروساً حيوية للقادة السياسيين الساعين إلى تسخير الابتكار مع تجنّب الفخاخ المؤسسية التي عرقلت مسار التقدم عبر التاريخ”.
  4. السيد جويل موكير (Joel Mokyr)، مؤلف كتابثقافة النمو: أصول الاقتصاد الحديث (A Culture of Growth)، يكتب ويقول: “إن كتاب كيف ينتهي التقدم (How Progress Ends) هو جهد بحثي عميق لمواجهة واحد من أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام في التاريخ الاقتصادي: ما الذي دفع الابتكار والنمو الاقتصادي في الماضي، وهل يمكن استدامته؟ يسير السيد فري على نهج أفضل تقاليد العمالقة مثل السيد جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) والسيد مانكور أولسون (Mancur Olson)، ليقدم تحليلاً رصيناً ومتبحراً لا يمكن لأي مهتم بهذه الأسئلة أن يتجاهله”.
  5. السيدة ديان كويل (Diane Coyle)، مؤلفة كتابمقياس التقدم: إحصاء ما يهم حقاً (The Measure of Progress)، تقول: كثيراً ما يُنظَر إلى التقدم بوصفه تعاقباً من التقنيات، لكن الاختراعات الجديدة الكبرى من المحرك البخاري (Steam Engine) إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) تُحدث اضطراباً في المجتمعات قبل أن تُحقّق مستويات معيشة أفضل. كتاب ‘كيف ينتهي التقدم’ (How Progress Ends) سرد آسر للطريقة التي تتفاعل بها الثقافة والمؤسسات مع التقنيات الجديدة، ويخلص إلى أن الظروف في الولايات المتحدة (United States)  والصين(China) اليوم تُشير إلى مستقبل من الركود رغم هيمنتهما على جبهة الذكاء الاصطناعي.”
  6. السيد كريس ميلر (Chris Miller)، المؤلف الأكثر مبيعاً حسب تصنيف صحيفة نيويورك تايمز (New York Times) لكتاب “حرب الرقائق: الصراع على أكثر تقنيات العالم أهمية” (Chip War: The Fight for the World’s Most Critical Technology)، يكتب ويقول:  “لماذا تشهد بعض العصور والبلدان تقدماً تكنولوجياً سريعاً بينما تعاني أخرى من الركود؟ في كتاب كيف ينتهي التقدم، يستند السيد كارل بينيديكت فري (Carl Benedikt Frey) إلى أمثلة متنوعة مثل روسيا القيصرية (Tsarist Russia)، والصين في عهد السيد ماو (Mao’s China)، وطفرة الذكاء الاصطناعي في أمريكا، ليبيّن كيف تعزز المؤسسات الاقتصادية التقدم التكنولوجي أو تمنعه، وكيف تتحشد أصحاب المصالح والمحتكرون لعرقلة التغيير. إنه قراءة أساسية لكل من يتطلع إلى فهم محركات التقدم التكنولوجي”.
  7. السيد محمد العريان (Mohamed El-Erian)، كبير المستشارين الاقتصاديين في مجموعة “أليانز” (Allianz) المالية العملاقة، وأستاذ ممارس في كلية “وارتون” لإدارة الأعمال بجامعة بنسيلفانيا، يتحدث في حفل جائزة فايننشال تايمز وشرودرز(Financial Times & Schroders)  لكتاب العام في مجال الأعمال 2025، ويقول:  “إن كتاب كيف ينتهي التقدم (How Progress Ends) للسيد كارل بينيديكت فري (Carl Benedikt Frey) هو نظرة جذابة للغاية ومكتوبة ببراعة فيما يحرك التقدم حقاً، ولماذا ينتهي الأمر بالأمم العظيمة والمبتكرة إلى الركود. إنه قصة رائعة عن الابتكار، والطموح الوطني، ونعم، الفشل… والنتيجة هي تحذير قوي، ومفاجئ للكثيرين، من أن كلاً من الولايات المتحدة والصين تنزلقان نحو النوع ذاته من الركود. وفي نهاية المطاف، فإن تألّق الكتاب… يُضيف بُعداً جوهرياً ودقيقاً إلى فهمنا للتقدم. فالأمر لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بالثقافة التي تبنيها حولها. هذا الكتاب قراءة لا غنى عنها لهذا العصر الجديد من السياسة الصناعية.”

المحتوى التالي هو ترجمة للنص الإنجليزي في منصة الوميض Blinkist. وهو مكون من مقدمة وخلاصة ختامية بالإضافة الى ٥ ومضات معرفية. وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب:

المقدمة – اكتشف لماذا تفشل الحضارات العظيمة — ويفوز المُستضعَفون.

من المرجح أنك نشأت على فكرة أن التقدم مسيرة صاعدة وحتمية من الإبداع البشري. غير أن التاريخ يُظهر نمطاً مختلفاً: حضارات عظيمة تتعثّر فجأة، وقوى صاعدة غير متوقعة تُغيّر كل شيء. ويتبع هذا منطقاً عميقاً يتعلق بكيفية تنظيم المجتمعات لنفسها من أجل الابتكار، وكيف يمكن للمؤسسات التي تصنع الازدهار أن تصبح هي نفسها بذوراً للركود (Stagnation). في هذه الومضات، سنكشف عن إطار عمل قوي وفارق لفهم دورة الصعود والهبوط هذه.

سنتجاوز النقاشات البسيطة حول الأسواق الحرة مقابل سيطرة الدولة، لنكشف عن مُحرّكَي التقدم المتنافسين — محرك الاكتشاف الفوضوي (Chaotic engine of discovery) ومحرك الإنتاج المنضبط (Disciplined engine of production) — ونرى كيف أن تحقيق التوازن الصحيح بينهما يمثل التحدي الأسمى لأي مجتمع.

وفي النهاية، سترى التاريخ كنظام ديناميكي، وليس مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة. وهذا سيُزوّدك بعدسة جديدة لتحليل السباق التكنولوجي بين القوى العظمى اليوم — ولفهم القوى الخفية والدقيقة التي قد تُحدّد ما إذا كان عصرنا الحالي يمثل حقبة من التقدم المستمر أم بداية لركود عظيم.

الومضة الأولى – حكاية نظامين

يبدو التقدم حتمياً حين تعيش في خضمّه، لكن التاريخ يروي لنا قصة مختلفة. أنعِم النظر وسترى شيئاً أكثر هشاشة — عملية مليئة بالتناقضات، واختراقات مفاجئة، وعقود لا يحدث فيها شيء البتة. ويكمن السر في إدراك أن التقدم يسير على محرّكَين مختلفَين كلياً، وغالباً ما يعمل أحدهما ضد الآخر. المحرّك الأول هو الاستكشاف (Exploration).

وهذا يعمل على الفوضى — ذلك العالم المُشوَّش غير القابل للتنبؤ حيث تنبثق الأفكار الجديدة من العدم. تخيّل آلاف التجارب تجري في آنٍ واحد: مخترعون مستقلون في مرائبهم، وباحثون جامعيون يتتبّعون حدسهم، وشركات ناشئة صغيرة تُراهن بكل شيء على أفكار تبدو عبثية. معظمهم سيفشل، وهذا هو المغزى؛ فهذا النظام يضحي بكفاءة اليوم من أجل إمكانية القيام بالأشياء بشكل أفضل جذرياً في الغد. أما المحرك الثاني فهو “التشغيل الممنهج” (Exploitation).

هذا المحرك يعمل بالتحكم، وفيه يتم تطوير الأفكار المُثبتة وتوسيع نطاقها. تخيل مصانع ضخمة، وشركات مترامية الأطراف، وخططاً صناعية حكومية. هنا، يحل الانضباط محل التجريب، ويتحول الهدف من البحث عن شيء جديد إلى إتاحة شيء معروف للجميع بأرخص ثمن ممكن. وتصبح الكفاءة الثابتة (Static efficiency) هي كل شيء: الضغط على أقصى إنتاج من الموارد الحالية، وتحسين كل عملية، والقضاء على الهدر. وقصة لقاح الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) تُظهر كلا المحركين في العمل، وحجم الاحتكاك بينهما.

نبدأ مع السيدة كاتالين كاريكو (Katalin Karikó)، عالمة الكيمياء الحيوية الهنغارية التي كانت أبحاثها في الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) غير تقليدية إلى حدّ أنها لم تستطع الحصول على منح حكومية. فقد ظن زملاؤها أنفسهم أنها تُضيّع وقتها. ورفضت جامعة بنسلفانيا (University of Pennsylvania)  تثبيتها في منصبها الأكاديمي. لكنها واصلت المضيّ قُدُماً على أي حال، مقتنعةً بأن الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) يحمل إمكانات علاجية يُغفلها الجميع. وقد جاء اختراقها العلمي بمحض الصدفة — إذ قاد لقاؤها بعالم المناعة السيد درو وايسمان (Drew Weissman) عند آلة تصوير المستندات إلى تعاون حلّ المشكلة الجوهرية التي كانت تمنع الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)  من العمل في أجسام البشر. وحتى بعد اكتشافهما هذا، لم يكترث أحد تقريباً.

مرت سنوات قبل أن يعثر عالم آخر، وهو السيد ديريك روسي (Derrick Rossi)، على بحثهما بمحض الصدفة ويدرك قيمته، ليساعد لاحقاً في إطلاق شركة موديرنا (Moderna) لتسويق هذه التكنولوجيا وتطويرها تجارياً. لم يكن بإمكانك تخطيط هذا المسار الحافل حتى لو حاولت؛ فهكذا يعمل محرك الاستكشاف — من خلال المصادفات، والإصرار، والممرات المسدودة التي لا حصر لها. ثم حلّت جائحة كوفيد (COVID)، وفجأة تغيرت قواعد اللعبة بالكامل؛ حيث أطلقت جهات ابتكار صغيرة مثل شركة بيونتيك (BioNTech) مشاريع مركّزة لتطوير لقاحات تجريبية تعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال  mRNA في غضون أسابيع.

لكنهم كانوا بحاجة إلى عمالقة الصناعة مثل شركة فايزر (Pfizer) لإجراء الاختبارات، والتصنيع، والتوزيع. كما تولت برامج حكومية مثل عملية “وارب سبيد” (Operation Warp Speed) تنسيق هذا الجهد الضخم. إن العملية الفوضوية نفسها التي خلقت تكنولوجيا الحمض النووي الريبي المرسال  mRNA كانت ستصبح كارثية في هذه المرحلة؛ إذ كنت بحاجة هنا إلى الهرمية، والانضباط، والتحكم المركزي لإنقاذ الأرواح.

وهنا تكمن نقطة نجاح الأمم أو فشلها: في إدارة الانتقال بين هذين النمطين. فالنظام نفسه الذي يقوم بتوسيع نطاق التقنيات المعروفة وتعميمها كان سيسحق أبحاث السيدة كاريكو (Karikó) غير التقليدية قبل أن تبدأ. إن الجهات الفاعلة والقوية المهيمنة التي أتقنت آلية “التشغيل الممنهج” تملك كل الأسباب لمقاومة عملية “التدمير الإبداعي” (Creative destruction) التي تجلبها التقنيات الجديدة. وعندما تنجح تلك الجهات في حظر المنافسة أو السيطرة على الجهات التنظيمية، يتوقف التقدم.

الومضة الثانية – مفترق طرق في التاريخ

الاستكشاف والتشغيل الممنهج — هذان هما محركا التقدم. وترتفع حضارات بأكملها وتسقط بناءً على أيٍّ من هذين المحركين تفضله، ومتى تفعل ذلك. وتوضح قصة الصين وأوروبا تجسد هذا النمط عبر القرون، حيث اكتسبت الإمبراطوريات ميزتها التنافسية وفقدتها مع تحولها بين الاكتشاف والتحكم.

على مدى معظم التاريخ المدوَّن، هيمنت الصين على الجبهة التكنولوجية. وبحلول القرن الحادي عشر، كانت عاصمة سلالة أسرة سونغ (Song dynasty)، مدينة كاينغ (Kaifeng)، تضم ساعة فلكية تعمل بالطاقة المائية على قدر مذهل من التعقيد يخطف الأنفاس. وكان المهندسون الصينيون يسبكون الحديد منذ عام 200 قبل الميلاد — وهو أمر لم يتوصل إليه الأوروبيون إلا بعد 1600 عام أخرى. لكن القوة المركزية نفسها التي جعلت الصين فعالة للغاية في التوسع والتطوير تحولت ببطء إلى سجن؛ فقد أعطى النظام الإمبراطوري الأولوية للاستقرار فوق كل شيء، والاستقرار يعني التحكم في قوى الاكتشاف الفوضوية. وأصبح نظام امتحانات الخدمة المدنية (Civil service examination) هو المسار الرئيسي للثروة والمكانة، مما وجّه العقول اللامعة نحو دراسة الكلاسيكيات الكونفوشية  (Confucian)ليصبحوا بيروقراطيين. ولو وُجد السيد غاليليو (Galileo) الصيني، لكان قد استنفد عبقريته في العمل الإداري.

كان يُنظر إلى التجار والتجارة الخارجية بعين الريبة والشك؛ حتى أن سلالة أسرة مينغ (Ming dynasty) ذهبت إلى حد حظر السفن العابرة للمحيطات، تاركةً أساطيلها المهيبة لترقد وتتعفن في الموانئ. لقد اختارت الصين “التحكم” على حساب “الاكتشاف”، لتدخل بذلك في قرون من الركود.

والآن، لننقل الانتباه إلى أوروبا، حيث كان يحدث شيء مختلف تماماً؛ فقد يبدو سقوط الإمبراطورية الرومانية (Roman Empire)بمثابة كارثة، ولكنه منح أوروبا هدية غير متوقعة: التشرذم السياسي الدائم (Permanent political fragmentation). فلم يكن بمقدور إمبراطور واحد بمفرده أن يفرض الأرثوذكسية (Orthodoxy) فكراً عقائدياً موحداً عبر مئات الولايات، والمدن، والإمارات المتنافسة.

وقد خلقت هذه الفوضى شيئاً كانت الصين تفتقر إليه — وهو سوق تنافسي للأفكار؛ فالمبتكر الذي تؤدي فكرته الجريئة أو الخطيرة إلى نفيه من إقليم ما، كان بمقدوره أن يجد ملاذاً آمناً في الإقليم المجاور مباشرة. هذا التدفق المستمر للأشخاص والأفكار ولد ما يُعرف بـ “جمهورية الآداب” (Republic of Letters)، وهي شبكة فكرية عابرة للحدود أرست القواعد والركائز الأساسية للثورة العلمية (Scientific Revolution).

ومع ذلك، لم يكن التشرذم بمفرده كافياً لإشعال شرارة الثورة الصناعية (Industrial Revolution)؛ إذ كانت لأوروبا قواها الخاصة المقاوِمة للتقدم: نقابات الحرفيين (Craft guilds) التي حاربت التقنيات الجديدة لأنها كانت تهدد مصادر رزقها. لكن الاختراق والتحول الكبير جاء من إنجلترا، التي تمكنت من تحقيق معادلة فريدة: الجمع بين ثقافة الابتكار اللامركزية في أوروبا، وبرلمان موحد وقوي.

بعد الثورة المجيدة (Glorious Revolution) عام 1688، نما البرلمان وأصبح قوياً بما يكفي لتجاوز مصالح النقابات المحلية التي كانت تعوق التقدم. وعندما اندلعت أعمال شغب لتحطيم الآلات، انحازت الدولة البريطانية إلى جانب المبتكرين، وجعلت تدمير الآلات جريمة عقوبتها الإعدام. هذه القدرة على قمع قوى الماضي لصالح المستقبل هي ما سمح لنظام المصانع بالترسخ والنمو. وبناءً على ذلك، ازدهرت بريطانيا الصناعية لأنها عرفت متى تتحول بين نمطي الاستكشاف والتشغيل الممنهج، حاميةً العمل الفوضوي للاكتشاف من الأنظمة نفسها التي ستعمل في النهاية على تطوير تلك الاكتشافات وتوسيع نطاقها.

الومضة الثالثة – سد الفجوة

إذن، جمعت بريطانيا بين الاستكشاف والتشغيل الممنهج لإشعال شرارة الثورة الصناعية. وكان بمقدور الأمم التي تلتها أن ترى المستقبل رأي العين — فقد كان يعمل بالفعل داخل المصانع البريطانية. ويمكننا أن نرى بدقة كيف تعمل استراتيجية اللحاق بالركب (Catch-up playbook) من خلال إلقاء نظرة على دولة بروسيا (Prussia)؛ ففي عام 1806، سحقت جيوش نابليون (Napoleon)  الجيش البروسي في معركة جينا-أويرشتات (Jena-Auerstadt)، مما كشف عن تعفن مؤسساتي عميق.

للمعلومية: بروسيا لم تعد دولة قائمة اليوم، وتقع أراضيها التاريخية حالياً بشكل رئيسي في شمال شرق ألمانيا وشمال غرب بولندا، مع أجزاء صغيرة تقع ضمن حدود روسيا (منطقة كالينينغراد) وبعض الدول الأوروبية الأخرى. أُلغيت مملكة بروسيا رسمياً بعد الحرب العالمية الأولى، وتوزعت أراضيها في أعقاب الحرب العالمية الثانية بين الدول المجاورة.

وقد أشعلت هذه الإهانة شيئاً استثنائياً: إصلاحات شتاين-هاردنبرغ (Stein-Hardenberg Reforms)، وهي بمثابة ثورة من الأعلى. إذ استخدم موظفو الخدمة المدنية ذوو العقلية الإصلاحية سلطة الدولة لتمهيد الطريق بشكل منهجي أمام الصناعة الحديثة؛ فألغوا الامتيازات الإقطاعية ونقابات الحرفيين التقييدية، وأنشأوا مدارس تقنية وجامعات بحثية رائدة عالمياً لتخريج مهندسين مهرة، كما نسقوا بناء شبكات السكك الحديدية لتأسيس سوق وطنية موحدة. وقد أنتجت هذه “الرأسمالية المنظمة” (Organized capitalism) شركات عملاقة متكاملة رأسياً في مجالات الصلب، والمواد الكيميائية، والكهرباء.

بل إن دولة بروسيا شجعت الاحتكارات الصناعية (Cartels) — إذ رأت فيها أدوات لتحقيق الحجم الهائل والضخم اللازم لتحدي منافسيها البريطانيين. وبحلول نهاية القرن، كانت الدولة الألمانية الموحدة قد تفوقت على بريطانيا في العديد من الصناعات الرئيسية.

وعلى الجانب الآخر من العالم، جسدت اليابان قصة مشابهة بشكل لافت؛ فلقد أغلقت اليابان حدودها على نفسها لقرون تحت حكم شوغونية توكوغاوا (Tokugawa Shogunate). ثم وصلت الزوارق الحربية الأمريكية بقيادة الكومودور بيري (Commodore Perry) عام 1853، لتوجه إلى اليابان نفس نوع الصدمة التي جلبها نابليون لبروسيا. وانكشفت نقاط ضعف اليابان، مما فجّر “إصلاح ميجي” (Meiji Restoration) عام 1868 — وهو حملة سريعة للتحديث وتجنب المعاناة من نفس الإهانة التي تعرضت لها الصين، والتي أُجبرت فيها على توقيع معاهدات غير متكافئة وفقدت نفوذها عبر أراضيها بعد خسارتها في حروب الأفيون (Opium Wars).

تطلعت النخبة الجديدة في اليابان، وهم “البيروقراطيون من الساموراي” (samurai-bureaucrats)، نحو ألمانيا مباشرة لاتخاذها نموذجاً؛ فقاموا بمركزة الدولة، وتفكيك الإقطاع، وتوجيه حملة تصنيع وطنية. وسهّلت الحكومة نقلاً هائلاً للتكنولوجيا من الغرب، ورعت تكتلات صناعية قوية، عُرفت بـ “الزايباتسو” (Zaibatsu)، لتنسيق الاستثمار والإنتاج عبر الاقتصاد. تذكر كيف تحدثنا عن فشل الصين في تحقيق التوازن بين الاستكشاف والتشغيل الممنهج؟ فهذه الأمم اللاحقة بالركب واجهت الوضع المعاكس تماما؛ فقد كانت تعرف بدقة ما هي التقنيات التي ينبغي السعي وراءها — لأن مرحلة “الاستكشاف” كانت قد أُنجزت بالفعل.

تحدي هذه الدول كان متمثلاً في “التشغيل الممنهج” المحض، ومن أجل ذلك، أصبحت الدولة القوية القائمة على الجدارة والاستحقاق (Meritocratic state) رصيداً هائلاً؛ إذ كان بمقدور الدولة تجاوز أصحاب المصالح النافذة رسوخا والذين يحمون النظام القديم، وحشد الموارد الوطنية نحو هدف واحد وهو التحديث الصناعي. وأصبح نموذج اللحاق بالركب هذا هو المخطط الأساسي لـ “العصر الذهبي” (Golden Age) ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث استخدمت الأمم في جميع أنحاء العالم سلطة الدولة للتصنيع السريع عبر محاكاة وتقليّد التقنيات المُثبتة.

وخلال هذا العصر الذهبي، كان التركيز منصباً بالكامل على التشغيل الممنهج المحض — تطوير وإتقان الإنتاج الضخم للسيارات، والثلاجات، والصلب، والمواد الكيميائية التي كانت الولايات المتحدة رائدة فيها. وعمل التخطيط الحكومي المنسق، والنقابات القوية، والشركات الضخمة جنباً إلى جنب لنشر الرخاء وازدهاره.

وعلى مدار ثلاثة عقود، حقق هذا النظام نتائج استثنائية، رافعاً مستويات المعيشة في جميع أنحاء العالم المتقدم. لكن “التشغيل الممنهج” لا ينجح إلا عندما تعرف وتحدد بدقة ما تريد استغلاله؛ وعندما تنقلب الجبهة التكنولوجية وتتحول نحو شيء جديد وجذري بالكامل، يمكن لأنظمة بأكملها أن تصبح عتيقة ومتقادمة بين عشية وضحاها.

الومضة الرابعة – الجبهة الأمريكية

بدأ العالم المستقر لخطوط التجميع في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بالانهيار في السبعينيات؛ إذ واجه محرك الإنتاج الضخم الذي كان يضخ السيارات والثلاجات عوائد متناقصة (Diminishing returns)، وجاءت الصدمات النفطية لتوجه الضربة القاضية، وتُقحم الصناعات الغربية في حالة من الركود التضخمي (Stagflation). لقد ماتت الاستراتيجية القديمة.

وكان هناك نموذج تكنولوجي جديد يلوح في الأفق — وهو الكمبيوتر “الحاسوب” — وكان يتطلب شيئاً مختلفاً تماماً؛ فقد حان الوقت للعودة إلى مرحلة الاستكشاف الفوضوي واللامركزي. ولم تكن الأنظمة الصارمة الموجهة من القمة إلى القاعدة (Top-down)، والتي ميزت العصر الذهبي، مستعدة نهائياً لهذا التحول؛ فتعثرت اليابان. وكانت تكتلاتها الاقتصادية المعروفة بـ “الكيريتسو” (Keiretsu) — وهي الوريث الشرعي للـ “زايباتسو” (Zaibatsu) في حقبة ما بعد الحرب — قد وصلت إلى حد الإتقان في التشغيل الممنهج التعاوني وتصنيع الأجهزة والعتاد بجودة لا مثيل لها، لكن هذا النظام المنغلق والهرمي كان شديد الصلابة والجمود بما لا يتناسب مع عصر البرمجيات والشبكات المفتوحة.

كان بإمكان هذا النظام إتقان المنتجات الحالية، لكنه عجز عن خلق منظومة الشركات الناشئة المبتكرة والمزعزعة للاستقرار (Disruptive startups) والمطلوبة لقيادة ثورة حقيقية. وهكذا أصبحت ثورة الكمبيوتر قصة أمريكية خالصة، لكن المفاجأة كانت في مكان حدوثها الفعلي؛ إذ غاب هذا التحول تماماً عن الشركات العملاقة والتي يتمركز تواجدها على “طريق 128” في مدينة بوسطن (Boston’s Route 128) بهياكلها الهرمية وعقودها العسكرية، وكان النصر من نصيب وادي السليكون (Silicon Valley) بفضل ثقافة كانت لتثير رعب اليابان أو ألمانيا: مهندسون ينتقلون باستمرار من وظيفة إلى أخرى، ويتشاركون المعرفة في الحانات المحلية، ويغادرون الشركات الكبرى لتأسيس شركات ناشئة. كما ساهم حظر ولاية كاليفورنيا (California) لاتفاقيات عدم المنافسة (Non-compete agreements) في تدفق الأفكار بحرية بين الشركات. وأثبت التزام الولايات المتحدة بمحاربة الاحتكارات أهمية بالغة لا تقل عن ذلك.

إن تفكيك شركة “إيه تي آند تي” (AT&T) والحرب القانونية ضد “آي بي إم” (IBM) خلقا مساحة تنافسية سمحت لشركة مايكروسوفت (Microsoft) بالظهور، وضمن ذلك تطور الإنترنت كشبكة لامركزية بدلاً من كونه نظاماً مؤسساتياً مغلقاً. واليوم، تواجه دورة التقدم هذه تهديدات جديدة بالركود؛ إذ تظهر على أكبر اقتصادين في العالم، هما: الولايات المتحدة والصين، علامات مقلقة. فالصين تحت حكم الرئيس شي جين بينغ (Xi Jinping) تعكس مسار التجريب اللامركزي الذي أشعل معجزتها الاقتصادية، حيث يعيد الحزب الشيوعي مركزة السلطة، ويشن حملات تضييق على الشركات الخاصة الديناميكية، ويوظف الذكاء الاصطناعي (AI) للمراقبة والسيطرة الاجتماعية بدلاً من الاستكشاف المفتوح.

التاريخ يعيد نفسه؛ إذ تختار نخب أو أسر أخرى استقرار القفص — والمقصود به هنا البيئة التنظيمية الحمائية والمغلقة التي تضمن أرباحهم — مفضلين إياها على فوضى الاكتشاف وآفاق المنافسة المفتوحة. واليوم، تواجه الولايات المتحدة تهديداً مشابهاً؛ حيث راكمت حفنة من شركات التكنولوجيا نفوذاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً، وباتت تمارس ضغوطاً واسعة للحصول على تشريعات وقوانين تفصلها على مقاس مصالحها، مستحوذة على المنافسين المحتملين، مما يخنق قوى التدمير الإبداعي التي جعلت من أمريكا يوماً ما محركاً عالمياً للابتكار.

إن الدرس التاريخي واضح وجليّ: التقدم هشّ، وليس دائماً على الإطلاق. وهو يتطلب يقظة مستمرة ضد القوى التي تقايض اختراقات الغد باستقرار اليوم. إن الصراع بين الاستكشاف والتشغيل الممنهج مستمر، وستظل نتيجته تُشكّل مسار الحضارات.

الومضة الخامسة ٥ – التفكّك العظيم

تواجه القوى العظمى التي كنا نتابعها — الصين والولايات المتحدة — حالة من التصلب المؤسساتي (Institutional sclerosis). ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي (AI) يَعِد بإعادة كتابة القواعد. قد تعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيحل كل شيء — كأن يسمح للصين بتحقيق الحلم السوفيتي في التخطيط المثالي، أو يساعد الشركات الأمريكية الكبرى المهيمنة على الابتكار للخروج من حالة الركود. لكن الذكاء الاصطناعي له حدود أساسية.

لماذا؟ لأن معظم المعرفة البشرية هي معرفة ضمنية وحسية (Tacit and sensory knowledge)، تُكتسب من خلال التفاعل المادي الملموس لا عن طريق اللغة. قد يكون النموذج اللغوي الكبير (LLM)  قد استهلك الإنترنت بأكمله، إلا أن طفلاً في الرابعة من عمره قد عالج كميات هائلة من البيانات تفوق ذلك بكثير من خلال حواسه وحدها. إن الذكاء الاصطناعي الحالي يتفوق في ترميز وإعادة دمج ما هو معروف بالفعل، لكنه يعاني ويكافح أمام المعرفة غير المكتوبة والحدسية التي تقف وراء الإبداع الحقيقي. وهذا يقودنا إلى المشكلة الجوهرية: إن الذكاء الاصطناعي اليوم، وخاصة النماذج اللغوية الكبيرة، يمثل أدوات قوية لـ “التشغيل الممنهج” لا لـ “الاستكشاف”.

فهي تحدد الأنماط الإحصائية في المحتوى الذي أنشأه البشر. وتكتب قصائد (سونيتات) (Sonnet) بأسلوب شكسبير(Shakespeare) لأن أعمال شكسبير موجودة بالفعل ضمن بيانات التدريب الخاصة بها؛ لكنها لا تستطيع ابتكار أشكال أدبية جديدة جذرياً تكسر الأنماط التي تعلمتها. تخيل نموذجاً لغوياً كبيراً في عام 1633، تم تدريبه على كل كتاب كُتب حتى ذلك الحين. اسأله عما إذا كانت الأرض تدور حول الشمس، وسيجيبك بثقة: “لا”. فهو لا يستطيع إنتاج بصيرة غاليليو (Galileo) الثورية، والتي نبعت من تحدي المعرفة القائمة وليس من مجرد حساب متوسط لها.

تكمن العقبة الكبرى أمام التقدم المستقبلي في المرونة المؤسساتية (Institutional flexibility) أكثر من كونها في القوة الحاسوبية. فالديناميكية التكنولوجية تتطلب ما أسماه السيد جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) بـ “التدمير الإبداعي” (Creative destruction) — حيث تحل الابتكارات والشركات الجديدة محل القديمة. هذه العملية صعبة وشاقة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي؛ فهي تتطلب من المجتمعات قبول هذا التغيير المزعزع (Disruption)، وتستدعي وجود أنظمة سياسية تحمي المنافسة على حساب مصالح أصحاب النفوذ الراسخين من الجهات الفاعلة والمهيمنة (Incumbent interests). يعتمد التقدم الديمقراطي المستدام على الإيمان الواسع بأن المكاسب التكنولوجية سيتم تقاسمها وتوزيعها على نطاق واسع، مما يخلق فرصاً أفضل لأولئك الذين فقدوا وظائفهم أو تضرروا من هذا التحول. واليوم، يتآكل إيمان الجمهور ويفقدون ثقتهم بهذا الاعتقاد، حيث تركز الشركات الكبرى على أتمتة (Automating) المهام الحالية بينما تواجه الشركات الناشئة حواجز متزايدة تمنعها من دخول السوق.

التكنولوجيا، وحتى الذكاء الاصطناعي (AI)، لا تستطيع علاج المؤسسات المعتلّة. فالمجتمعات التي تُعطي الأولوية لراحة الحاضر فوق إمكانات المستقبل ستستخدم أفضل أدواتها لترسيخ الوضع الراهن (Status quo). تذكّر كل ما استكشفناه معاً — بدءاً من ركود الصين وصولاً إلى ديناميكية وادي السيليكون. إن هذا النمط يظل ثابتاً: فالتقدم لا يتوقف على عبقرية الآلة بقدر ما يعتمد على الرغبة الجماعية في تمهيد الطرق أمام الاختراعات البشرية المزعزعة وغير المتوقعة. إن المستقبل يعتمد على ما إذا كنا سنختار قفص الاستقرار أم فوضى الاكتشاف.

الخلاصة الختامية

في هذه الومضات تعلمت أن التقدم التكنولوجي المستدام ليس حتمياً، بل يعتمد على قدرة المجتمع على التنقّل بين نظامين متناقضين: الاستكشاف اللامركزي (Decentralized exploration) اللازم لابتكار المستقبل، والتشغيل الممنهج المركزي (Centralized exploitation) المطلوب لإتقان وتطوير الحاضر.

يوضح هذا المسار الديناميكي التاريخي سبب ركود الصين — التي كانت رائدة تكنولوجية في البداية — تحت وطأة بيروقراطية صارمة، بينما أصبحت أوروبا  (Europe) المُفتّتة مهد الثورة الصناعية. كما يبيّن كيف استخدمت الدول المتأخرة عن الركب مثل بروسيا واليابان سلطة الدولة القوية للحاق بالركب سريعاً عبر محاكاة التقنيات القائمة؛ وهو النموذج الذي أشعل “العصر الذهبي” العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنتجت الأمم بكميات ضخمة ابتكارات كانت الولايات المتحدة اللامركزية سباقة فيها.

واليوم، يواجه محرك التقدم هذا خطر التوقف؛ فمع انجراف كل من الولايات المتحدة والصين نحو أنظمة تحمي أصحاب النفوذ الراسخين والجهات المهيمنة والقوية وتخنق المنافسة، فإنهما تغامران بخلق نفس حالة التصلب المؤسساتي (Institutional sclerosis) التي أنهت التقدم مراراً وتكراراً عبر التاريخ.

نبذة مختصرة عن المؤلف

يُعد الدكتور كارل بينيديكت فري (Carl Benedikt Frey) قامة أكاديمية بارزة في مجال دراسات التكنولوجيا والاقتصاد، حيث يشغل منصب الأستاذ المشارك لكرسي ديتر شوارتز (Dieter Schwarz) في تخصص الذكاء الاصطناعي والعمل بمعهد أوكسفورد للإنترنت (Oxford Internet Institute)، إلى جانب كونه زميلاً لأوكسفورد مارتن سيتي (Oxford Martin Citi Fellow) في مدرسة أوكسفورد مارتن (Oxford Martin School) التابعة لجامعة أوكسفورد العريقة.

وتمتد زمالته البحثية لتشمل كلية مانسفيلد (Mansfield College)، ومعهد الفكر الاقتصادي الجديد في أوكسفورد (Institute for New Economic Thinking)، بالإضافة إلى قسم التاريخ الاقتصادي بجامعة لوند (Lund University) السويدية.

حظيت مؤلفاته بتقدير عالمي رفيع، حيث صُنّف كتابه الشهير فخ التكنولوجيا: رأس المال، والعمل، والقوة في عصر الأتمتة (The Technology Trap: Capital, Labor, and Power in the Age of Automation)، والصادر عن دار نشر جامعة برينستون (Princeton)، كأحد أفضل كتب العام من قِبل صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times).

تتمتع أبحاثه ودراساته الأكاديمية بتأثير استراتيجي واسع على مستوى السياسات الدولية؛ إذ استندت إليها مؤسسات كبرى مثل مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وبنك إنجلترا، والبنك الدولي. كما حظيت أعماله بتغطية إعلامية موسعة في كبرى البرامج العالمية مثل برنامج لاست ويك تونايت (Last Week Tonight) مع جون أوليفر (John Oliver).

وللدكتور فري مساهمات فكرية دورية ومقالات رأي منشورة في مجلات وصحف دولية مرموقة، منها ذي إيكونوميست (The Economist)، وفاينانشال تايمز (Financial Times)، وصحيفة وول ستريت جورنال (Wall Street Journal)، وساينتفك أمريكان (Scientific American)، وفورين أفرز (Foreign Affairs).

المقال السابق خديعة إبهار الآخرين: لماذا تفشل الجداول الحسابية أمام سيكولوجيا المال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *