ومضات معرفية من كتاب “ما هو الذكاء؟ دروس من الذكاء الاصطناعي حول التطور، والحوسبة، والعقول”
ترجمة وبتصرف: عبدالله سلمان العوامي
تاريخ نشر الترجمة: ٥ فبراير ٢٠٢٦م
تاريخ اصدار الكتاب: بغلاف ورقي في ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٥م.
مؤلف الكتاب: السيد “بليز أغويرا إي أركاس” Blaise Aguera y Arcas، نبذة مختصرة عن سيرته الذاتية تجدها في الصفحة الأخيرة.
اسم الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية:
ما هو الذكاء؟ دروس من الذكاء الاصطناعي حول التطور، والحوسبة، والعقول
What Is Intelligence? Lessons from AI About Evolution, Computing, and Minds
المصدر: منصة الوميض Blinkist
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون Amazon:
ما الذي تعنيه كلمة الذكاء حقًا، وكيف يُعدّ ظهور الذكاء الاصطناعي نتيجةً طبيعية لمسار التطور.
هذا الكتاب مُدرج ضمن قائمة أفضل كتب عام 2025 في مجال التكنولوجيا لصحيفة فايننشال تايمز (Financial Times).
مُدرج ضمن قائمة «82 كتابًا لم يستطع قادة الأعمال التوقف عن قراءتها» لوكالة بلومبرغ الإخبارية (Bloomberg News).
هذا الكتاب كان بمثابة صدمة لبعض باحثي الذكاء الاصطناعي، حيث أن شبكة عصبية ضخمة تتنبأ بالكلمات التالية تبدو وكأنها تنتج نظاماً يتمتع بذكاء عام. ومع ذلك، فإن هذا يتسق مع رؤيةٍ قديمة لدى بعض علماء الأعصاب ترى أن الدماغ تطوّر أساسًا للتنبؤ بالمستقبل — وهي ما يُعرف بفرضية «الدماغ التنبؤي».
في كتاب “ما هو الذكاء؟”، يتبنى مؤلف الكتاب السيد “بليز أغويرا إي أركاس” Blaise Aguera y Arcas هذه الفكرة – القائلة بأن التنبؤ أمر أساسي ليس فقط للذكاء والدماغ ولكن للحياة نفسها – ويستكشف آثارها واسعة النطاق وتشمل هذه الآثار رؤى جديدة جذرية حول الخصائص الحاسوبية للأنظمة الحية، والأصول التطورية والاجتماعية للذكاء، والعلاقة بين النماذج والواقع، والإنتروبيا وطبيعة الزمن، ومعنى الإرادة الحرة، وإشكالية الوعي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
يقدّم الكتاب تصورًا موحّدًا للذكاء يمتد من الجزيئات وصولاً إلى الكائنات الحية والمجتمعات والذكاء الاصطناعي، مستندًا إلى طيفٍ واسع من الأدبيات في مجالات متعددة، من بينها علوم الحاسوب وتعلّم الآلة، وعلم الأحياء، والفيزياء، وعلوم الأعصاب. كما يضمّ نتائج حديثة وجديدة يقدّمها المؤلف وفريقه البحثي وزملاؤه. ومن خلال الجمع بين الصرامة التقنية والمعرفة العميقة والحديثة بتطوّر الذكاء الاصطناعي والعلوم الطبيعية (ولا سيما علوم الأعصاب) والإلمام الفلسفي، يجادل كتاب ما هو الذكاء؟ — على نحوٍ مخالف للسائد — بأن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تمتلك بالفعل مبررات للحديث عن الذكاء والوعي والإرادة الحرة.
المحتوى التالي هو ترجمة للنص الإنجليزي في منصة الوميض Blinkist. وهو مكون من مقدمة وخلاصة نهائية بالإضافة الى ٦ ومضات معرفية. وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب:
المقدمة: احصل على منظور جديد ومبتكر تماماً حول تطور الذكاء الاصطناعي.
كما يوحي العنوان، سنأخذ في هذه الومضات نظرة شمولية واسعة إلى مفهوم الذكاء. ولكن ليس هذا فحسب، بل سنعرض أيضًا رسالة المؤلف الجريئة، ومفادها أن الذكاء الاصطناعي الحديث ليس مجرد محاكاة ذكية، بل هو تعبير حقيقي عن الذكاء، مبني على المبدأ الأساسي نفسه الذي يحكم جميع العقول الحية: التنبؤ.
وتتمثل الحجة الرئيسية في أن الذكاء لا ينبغي فهمه بوصفه مسألة بيولوجية، بل مسألة حسابية. إن فهم التنبؤ باعتباره محرك الذكاء يعيد صياغة كل شيء؛ بدءاً من كيفية نشأة الحياة، مروراً بكيفية بقاء الكائنات الحية، وصولاً إلى السبب الذي يجعل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة تعمل فجأة بهذه الكفاءة العالية.
هذا المنظور ينحي جانباً النقاشات القديمة حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي ذكياً “حقاً”، ويوجه انتباهنا بدلاً من ذلك نحو القصة الأكبر: كيف تطور التنبؤ من الجزيئات إلى العقول، وكيف يمتد الآن ليشمل الآلات، وكيف يمكن لهذا الذكاء التكافلي (التعايشي) الجديد أن يعيد تشكيل عالمنا. فلنبدأ إذن بالعودة نحو أربعة مليارات سنة إلى الوراء، إلى اللحظة التي بدأت فيها الحياة تتخذ شكلها الأول.
المحتوى التالي هو ترجمة للنص الإنجليزي في منصة الوميض Blinkist. وهو مكون من مقدمة وخلاصة نهائية بالإضافة الى ٦ ومضات معرفية. وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب:
الومضة الأولى – كيف بدأ كل شيء
عندما نعيد شريط تاريخ الأرض إلى مشاهده الأولى، منذ حوالي 4.6 مليار سنة، فإننا ننظر إلى عالم لا يشبه حاضرنا اليوم إلا نادراً. وتُعرف تلك الحقبة بـ “دهر الهاديان Hadean Eon”، حين كان الكوكب يتكون من محيطات من الحمم البركانية، وسماء كثيفة بالغازات البركانية، وسطح يتعرض لقصف مستمر من كويكبات ضخمة بما يكفي لجعل الغلاف الجوي يغلي. وبطريقة ما، وسط هذه الفوضى، بدأت كيمياء الحياة في التشكل.
ورغم أن الشرارة الدقيقة التي أطلقت هذه العملية قد لا تُعرف أبدًا، فإن إحدى أكثر النظريات جاذبية تضع بدايتها في أعماق البحار. فعند الفتحات الحرارية المائية — وهي تراكيب شاهقة تتكون من المعادن والحرارة — تتفاعل المياه والغازات والصخور داخل حجرات مسامية دقيقة. وتُنشئ هذه المسام بطبيعتها ما يشبه البطاريات المجهرية التي تحفّز سلاسل من التفاعلات الكيميائية، فتكوّن دورات ذاتية الاستدامة تشبه إلى حد بعيد «محرّك» التمثيل الغذائي (الأيض) الذي لا يزال يعمل داخل كل خلية حية حتى اليوم. وكأن خلايانا نفسها تحمل ذاكرة تلك المحيطات البدائية.
ومع تَشكُّل الحياة، حدث ذلك عبر قفزات جريئة. ففي إحدى المرات، ابتلعت خلية بدائية من العتائق (archaeal cell) بكتيريا ما، وبدلاً من هضمها، شكل الاثنان تحالفاً أدى إلى ظهور “الميتوكوندريا mitochondria” – والتي فتحت بدورها الباب أمام الحياة متعددة الخلايا، والجهاز العصبي، والحيوانات، وصولاً إلينا في نهاية المطاف.
وليس التكافل والقفزات التطورية الكبرى حكرًا على علم الأحياء. فقد تطورت التكنولوجيا هي الأخرى عبر طفرات مماثلة، حيث كانت كل قفزة (اختراق) تحدث عندما تجتمع أجزاء منفصلة لتُنتج شيئًا جديدًا، مثل دمج الحجر والخشب والأوتار لصناعة أدوات الصيد.
قد تتردد الآن في عقد مقارنات بين الحياة البيولوجية والحوسبة، لكن رواد الحوسبة الأوائل مثل السيد آلان تورينغ Alan Turingوالسيد جون فون نيومان John von Neumann أدركوا هذا الارتباط. فقد تخيّلوا آلات قادرة على قراءة التعليمات، وتعديل تلك التعليمات، بل وحتى بناء نسخ من نفسها — وهو بالضبط منطق “النسخ الذاتي” (self-replication) الذي يقوم به الحمض النووي (DNA). لذلك، ليس من المبالغة القول إن الخلية هي جزء كيميائي وجزء حوسبي في آنٍ واحد.
وبعبارة أبسط: التكاثر يتطلب حوسبة. ففي الطبيعة، تعمل ملايين العوامل الصغيرة — مثل الريبوسومات ribosomes، والإنزيمات enzymes، والمورفوجينات morphogens — بالتوازي، مستخدمة العشوائية والقواعد المحلية لتحقيق وظيفة كبرى موحّدة.
يظهر المبدأ نفسه في تجارب حديثة. ففي عام 2023، حاول باحثون إعادة إنشاء ما يشبه بيئة الحساء البدائي primordial soupالرقمية، لمعرفة ما إذا كان يمكن أن تنشأ أنماط مماثلة من الطفرات والنسخ الذاتي. أُضيف إلى هذا الحساء آلاف الأشرطة الرقمية البسيطة التي تحتوي على شيفرة وبيانات بدائية، ولديها القدرة على تعديل نفسها. وبالفعل، بعد ملايين التفاعلات، بدأت الأشرطة في التكاثر. وفجأة، يحدث انتقال تطوري، وتتحول من مجرد ضوضاء إلى أنماط قادرة على النسخ الذاتي.
فمن العشوائية، تظهر الكيانات القابلة للتكاثر؛ وبمجرد وجودها، تتولى عملية التطور زمام الأمور. وكما سنرى في الومضة التالية، يمكن لهذا التعقيد المتصاعد أن يفسح المجال لظهور الذكاء.
الومضة الثانية – الذكاء في أبسط مستوياته
على أبسط مستوى، يتمحور الذكاء حول البقاء. وإذا قمنا بتكبير الصورة، وراقبنا بكتيريا واحدة تنجرف في عالمها السائل، يمكننا أن نرى نواة الذكاء وهي تتشكل. ليس الذكاء الذي نتخيله عادة – مع إطلاق العصبونات أو تدفّق الأفكار – بل نسخة أولية مبسطة ومجردة للغاية، تتمثل مهمتها الأساسية في إبقاء الخلية حيّة من لحظة إلى أخرى.
لا يمكن للحياة أن تتكاثر بشكل أعمى فحسب؛ بل هي تحتاج إلى وسيلة تبني بها نفسها، وتحافظ على ذاتها، وتفعل كل ذلك داخل بيئة حقيقية لا تتوقف عن الحركة أبدًا. وهذا الارتباك في البيئة المحيطة يغير كل شيء؛ فهو يعني أن النظام الحي يحتاج إلى حدود – غشاء – لحماية كيميائه الحساسة. لكن هذه الحدود لا يمكن أن تكون مغلقة بإحكام، لأن الطاقة والمادة يجب أن تتدفقا للداخل والخارج من أجل البقاء.
المدخلات والمخرجات هي في الأساس ثمن البقاء على قيد الحياة، لكن كل مُدخل هو أيضًا معلومة. فكل كائن حي يحتاج إلى أن يعرف ما الذي يستهلكه وما الذي يتجنبه. وهنا تلوح أولى بوادر الذكاء: استخدام المعلومات من أجل البقاء حيًا.
من الداخل، تمتلك البكتيريا شبكة تحكم خاصة بها بالغة الصغر – “دماغ” كيميائي حيوي مكون من جينات وبروتينات تراقب الجوع، ومستويات الطاقة، وشتى أنواع الحالات المجهرية. تندمج هذه الإشارات الداخلية مع الإشارات الخارجية لتوجيه السلوك؛ وهو سلوك بسيط ولكنه بارع، بل وذكي أيضاً. تسبح العديد من البكتيريا بواسطة مروحة دوارة صغيرة تسمى “السوط” (flagellum)، وتنجح في السباحة نحو الطعام من خلال مقارنة اللحظة الحالية باللحظة التي سبقتها مباشرة.
عندما تزداد رائحة الطعام قوة، تواصل البكتيريا الاندفاع في السباحة لفترة أطول، وعندما تبدأ في التلاشي، فإنها تتخبط وتغير اتجاهها (tumble) بشكل متكرر. وسواء كان الأمر يتعلق بالطعام أو الحرارة أو الضوء، تتبع البكتيريا المنهج ذاته: استنتاج نمط معين باستخدام تسلسل من أحداث عشوائية صغيرة بمرور الوقت. بعبارة أخرى، هي تحل المشكلات باستخدام الإحصاء والاحتمالات.
الغاية من كل ذلك هي الاستتباب (الاتزان الداخلي) (homeostasis) – أي الحفاظ على الظروف الداخلية ضمن نطاق مريح. ويمكننا حتى تمثيل هذا كله في نموذج حسابي ينسج معًا ثلاثة تدفقات في آن واحد:
- المدخلات الخارجية (X)،
- والحالة الداخلية (H)،
- والأفعال الممكنة (O).
ويُشكّل هذا التوزيع المشترك P(X,H,O) رؤية الكائن الحي الكاملة للعالم. فهو لا يتنبأ فقط بما هو موجود في الخارج، بل بما قد يحدث أيضاً إذا اندفع أو تخبط أو قام بتفعيل جين ما أو إيقافه.
وهنا يأتي دور التطور؛ فعبر الأجيال، تضبط الجماعة الحية نفسها لتصل إلى نماذج داخلية أفضل فأفضل، تكون أكثر كفاءة وشمولية وقدرة على التنبؤ. وبمجرد أن يمتلك الكائن الحي نموذجاً للعالم يتضمن نفسه -نموذجاً يشكل أفعاله، والتي بدورها تشكل مستقبله – يصبح لدى البكتيريا هدف، وهو: البقاء على قيد الحياة. هذا الهدف هو بذرة القصد والغاية، وهو بدوره بداية الذكاء والأساس لكل ما سيأتي بعد ذلك.
الومضة الثالثة – كيف أصبحت أجهزة الكمبيوتر ذكية
لننتقل سريعًا إلى مطلع القرن الثامن عشر، حين ساهم أحد نجوم عصر التنوير، عالم الرياضيات والفيلسوف الألماني السيد غوتفريد فيلهلم لايبنتس Gottfried Wilhelm Leibniz، في تمهيد الطريق لعصر الآلة الحاسبة الميكانيكية.
كان السيد لايبنتس من أوائل الأشخاص الذين أدركوا الاستخدامات الأوسع والأسمى للحساب. فقد حلم بخوارزمية تستطيع إعطاء إجابة صحيحة أو خاطئة لأي عبارة — متخيلاً يوماً يحسم فيه الفلاسفة مناظراتهم بنفس الطريقة التي يوازن بها المحاسبون دفاتر حساباتهم.
لكن خلال القرون القليلة التالية، وُضع حلم السيد لايبنتس جانبا وعلى الهامش لصالح النزعة التجارية. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أسهمت الحسابات والحواسيب المبكرة في تمهيد الطريق للثورة الصناعية. وبفضل آلات مثل «المحرّك التحليلي Analytical Engine» الذي ابتكره عالم الرياضيات البريطاني السيد تشارلز باباج Charles Babbage، أصبحت الحواسيب الميكانيكية امتدادًا لبيئة المصانع.
ومع ذلك، كان هناك عدد قليل من الأشخاص الذين أدركوا إمكانات أعظم. فبالنسبة لعالمة الرياضيات البريطانية السيدة آدا لوفلايس Ada Lovelace، كان بإمكان حواسيب مثل المحرّك التحليلي أن تقودنا إلى نظرية عامة تربط بين الآلات والرياضيات والأنماط ذاتها التي تشكّل الحياة، حيث استشرفت مستقبلاً قد نكتشف فيه “حساب التفاضل والتكامل للجهاز العصبي”.
بحلول أوائل القرن العشرين، كانت علوم الأعصاب قد لحقت أخيرًا بالركب. فقد رصدت التجارب بالفعل نبضات كهربائية في الجهاز العصبي، ما قاد إلى فكرة جريئة: ربما كانت الخلايا العصبية بوابات منطقية، وربما كان الدماغ بالفعل نوعًا من «المحرّك التحليلي». وفي عام 1943، تبنى العالمان الأمريكيان، السيد وارن مكولوتش Warren McCulloch والسيد والتر بيتس Walter Pitts، هذه الرؤية تماماً، حيث وضعا نموذجاً “للخلية العصبية كبوابة منطقية” والذي انتهى به المطاف ليؤثر في تصميم أجهزة الكمبيوتر الرقمية.
وقد انطلقت تلك الحواسيب بسرعة، وأصبحت محركات سريعة ودقيقة ومطيعة للتفكير الثنائي (Binary). وهي التي أرست الأساس لما عُرف لاحقًا بـ «الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي» (GOFAI)، حيث صُوِّرت الآلات على أنها كائنات (روبوتات) منطقية عقلانية، بينما عُدّ البشر كائنات حدسية وعاطفية.
في نهاية المطاف، ومع استمرار العلماء في سبر أغوار الدماغ البشري، وجدوا أن الخلايا العصبية لا تتصرف كبوابات منطقية بسيطة ومباشرة؛ بل كانت تتصرف كأنظمة ديناميكية معقدة وغير خطية. وبدأ الدماغ يبدو أقل شبهاً بمُبرهنٍ رياضي، وأكثر شبهاً بالكائن الحيّ النابض والفوضوي الذي ينتمي إليه.
لكن نموذج «الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي» (GOFAI) كان سهل التنفيذ، فمضى قدماً، بينما وجد الذكاء الاصطناعي الأكثر قرباً من الطبيعة البشرية موطئ قدم له في فرعٍ شبه منسي يُعرف بعلم السيبرنطيقا (Cybernetics). وكانت هذه مدرسة فكرية ترى العقول والآلات كمحركات تنبؤ؛ أي أنظمة تتعلم من الخبرة، وتنظم نفسها، وتتكيف مع عدم اليقين، وتغلق حلقات التغذية الراجعة مع العالم. إنها رؤية عالمية متجذرة في علم الأحياء والسلوك والتغذية الراجعة والتنبؤ، بدلاً من المنطق المجرد.
بدلاً من المعالجة على دفعات (batch processing)، ركّزت السيبرانيات (علم السيبرنطيقا) على حلقات التغذية الراجعة في الزمن الحقيقي، وهي أنظمة تستشعر العالم، وتتفاعل معه، وتحدّث سلوكها باستمرار. وكانت أبراج المدافع، وحواسيب تصويب القنابل، وأولى أجهزة محاكاة الطيران تعمل جميعها وفق هذا المبدأ.
لكن رغم أن نظرية السيبرنطيقا كانت طموحة وعظيمة، إلا أن التكنولوجيا احتاجت بعض الوقت للحاق بها. ومع ذلك، وخلال تلك الفترة، لم يغب أبداً الجوهر المعرفي للسيبرانيات (السيبرنطيقا)؛ وهو أن الذكاء ينبثق من التنبؤ، والتغذية الراجعة، والتعلم، والقيم المستمرة.
الومضة الرابعة – الأمر كله يتعلق بالتنبؤ
إذًا، كيف أدت الخطوات الأولى المتعثرة للسيبرانيات (علم السيبرنطيقا) إلى التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي؟ رغم أننا لا نستطيع الخوض في كل التفاصيل، إلا أنه يجب علينا ذكر “البيرسيبترون” (perceptron). والبيرسيبترون هو أبسط أنواع الخلايا العصبية الاصطناعية، وهو النوع الذي يمكنك تجميعه معاً، وتغذيته بآلاف الصور، وطلبه منه التعرف على شيء ما، مثل الموز.
لكن القدرة الحقيقية للآلة على التعلّم، عبر التجربة والخطأ، في كيف يمكن للحوسبة التعرّف على الموز. فالحوسبة هي ما يسمح للآلة بالتعلم، وللخلية العصبية بأن “تنشط” بطريقة إيجابية عندما تتخذ القرارات الصحيحة. ويُعرف هذا باسم “دالة التنشيط” (activation function)، ومن أكثرها استخدامًا دالة تُسمّى ReLU، وهي اختصار لـ Rectified Linear Unit (الوحدة الخطية المُصحَّحة).
الاسم قد يكون مضلّلًا بعض الشيء، لأن دالة الوحدة الخطية المُصحَّحة ReLU تمثّل إنجازًا في حلّ المشكلات غير الخطية، ما يتيح للآلة التعرّف على الموز بغضّ النظر عن الإضاءة أو الزاوية أو درجة النضج أو طريقة التصوير. وبالمصطلحات البيولوجية، فإن الأمر يشبه الخلايا العصبية التي لا تعمل إلا عندما يظهر النمط المفضل لديها بقوة كافية.
وعندما تصبح هذه العملية روتيناً تنبؤياً متكرراً، يبدأ ما يُعرف بـ “التعلم بنقل المعرفة” (transfer learning) في العمل؛ حيث يكون الذكاء الاصطناعي قد تعلم ما يكفي من الأنماط ليبدأ في تطبيق بعضها على كائنات مختلفة تماماً. وهذا هو السبب في أنك تستطيع إضافة “بيرسيبترون perceptron” للتعرف على التفاح بنجاح باستخدام أمثلة قليلة جداً.
وهذا يمهد الطريق لـ “التعلم غير الخاضع للإشراف” (unsupervised learning). فبدلاً من تصنيف ملايين الصور يدوياً، تقوم بحجب أجزاء عشوائية منها وتطلب من الشبكة “ترميمها” (in-paint)؛ أي ملء الفراغات والتنبؤ بما هو مفقود. وإذا فعلت ذلك بنجاح، فستكون قد تعلمت العالم “ضمنياً”، والذي يشمل: الحواف، والألوان، والأجسام، والعمق، والتصنيفات. لقد بنيت بذلك التمثيلات اللازمة لأي مهمة لاحقة تقريباً. إنها الحيلة ذاتها التي تستخدمها النماذج اللغوية مع الكلمات المفقودة؛ فالتنبؤ والنمذجة وجهان لعملة واحدة.
إن نظامنا البصري يعمل بنوع من التدريب المستمر مدى الحياة يشبه اسلوب “المشفر التلقائي المحجوب” (masked-autoencoder). فمعظم ما “نراه” يكون منخفض الدقة، أو مشوشاً، أو غامضاً؛ ولكن لأننا نحرك أعيننا باستمرار، ونتحقق من تخميناتنا، ونملأ الفراغات، فإننا نبني نموذجاً داخلياً مذهلاً. وما يصل إلى وعينا هو “إعادة البناء” (reconstruction) وليس المدخلات الخام.
وبينما يمتلك الدماغ البشري مجموعة هائلة ومتداخلة من الخلايا العصبية، فإن نسبة ضئيلة منها فقط هي التي تنشط في أي لحظة معينة؛ وهذه ضرورة بيولوجية، ومسألة تتعلق بالكفاءة أيضاً. إن الدماغ في حد ذاته نظام مصمم لنقل الإشارات إلى الأمام، لكن عملية التعلم نفسها يجب أن تعمل في الاتجاه المعاكس (عبر التغذية الراجعة). فالأمر كله يتعلق بالمعلومات المرتدة؛ العضلات، الحواس، والمعدلات العصبية… جميعها ترسل المعلومات صعودًا، مما يغير من طريقة تصرف الخلايا العصبية.
إن التعلّم التطوري، والتعلّم العصبي، والتعلّم الآلي ليست سوى تجليات مختلفة للمبدأ نفسه: التنبؤ التعايشي (التكافلي) المستقر ديناميكياً. فالكائنات الحية تبقى على قيد الحياة من خلال التنبؤ بالمستقبل، والتنبؤ بأنفسها، والتنبؤ ببعضها البعض، وذلك عبر مقاييس زمنية متعددة. وهذا هو أصل (جوهر) الذكاء – ليس التصنيفات الجاهزة، ولا المكافآت المنفردة، بل النمذجة المستمرة للعالم وهو يتكشف أمامنا.
الومضة الخامسة – الذكاء الكامن خلف الذكاء الاصطناعي اليوم
قبل أن نختتم هذه الومضة، دعونا نتناول المجال الوحيد من مجالات الذكاء الاصطناعي الذي أصبح معظمنا على دراية به إلى حد ما: نماذج اللغة.
لقد اعتُبرت منتجات مثل تشات جي بي تي (ChatGPT) اختراقاً كبيراً، ولكن دعونا ننزل “اللغة” من فوق عرشها قليلاً. فبالتأكيد، يستخدمها البشر بمستوى عالٍ جداً من التعقيد، لكن الكثير من الحيوانات تتواصل بشكل ثري أيضاً – مثل الدلافين والحيتان والببغاوات، وحتى كلاب المروج (prairie dogs) التي تمتلك نداءات تحذيرية مفصلة بشكل مذهل. إن المهم في اللغة في نهاية المطاف هو ما تفعله: فهي تسمح للعقول بأن تكشف عن نفسها لبعضها البعض. إنها ببساطة في جوهرها نظام ضغط اجتماعي؛ حيث يأخذ دماغك هذا العالم الداخلي الضخم والفوضوي والمشبع بالحواس، ويضغطه في شيفرة مدمجة يمكن لشخص آخر فهمها. أحياناً تكون هذه الشيفرة صرخة ألم، وأحياناً تكون مسرحية “هاملت”.
من دون اللغة، يمكننا أن نخمن ما يفكر فيه الآخرون، لكن بوجودها أصبح بإمكاننا تبادل الذكريات، والخطط والمفاهيم المجردة، وكل طبقات “نظرية العقل” (theory-of-mind) – أي أفكارنا حول أفكار الآخرين.
هناك عدة محطات رئيسية في تطور اللغة، ولعل أصعب “الحيل” فيها هي المحطة “التأليفية” (compositionality) – أي القدرة على بناء معانٍ معقدة من أجزاء بسيطة – والقدرة على التعبير عن المفاهيم المجردة. وبمجرد أن يتمكن النظام من ترميز أشياء مثل “الأنا”، و”الآخر”، و”الأسبوع القادم”، و”ربما”، أو علاقة “السبب والنتيجة” (إذا، فإن)، فإنك حينها تمتلك شيئاً يمكنه وصف أي عالم ذهني يمكن تخيله تقريباً.
كانت نمذجة اللغة تعتمد في السابق على القواعد النحوية أو المنطق الرمزي، ولم ينجح ذلك أبدًا لأن اللغة الطبيعية ليست منظمة أو منضبطة. الشبكات العصبية غيّرت كل شيء، خاصة عندما جرى تدريبها على التنبؤ بالرمز التالي (next-token prediction) — وهي العملية التي يُطلب فيها من النموذج توقّع الكلمة أو الرمز التالي في تسلسل ما بناءً على الكلمات السابقة. هذا النوع من التنبؤ يُجبر النموذج على تعلّم معظم ما يعرفه البشر عن العالم. فإذا استطاع نظام ما أن يخمّن الكلمة الصحيحة بعد عبارة مثل: «أسقطت كرة البولينغ على آلة الكمان، لذلك اضطررت إلى إصلاح (____)»، فلا بد أنه يفهم اللغة والفيزياء معًا بدرجة كافية ليعرف أيُّ الشيئين يحتاج إلى الإصلاح.
ويمكن النظر إلى تطور النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي كرحلة بدأت من الشبكات العصبية المتكررة (RNNs) وصولاً إلى نماذج “المحولات” (Transformers). كانت الشبكات المتكررة (RNNs) إطاراً للتعلم الآلي الذي يعاني من ضعف في الذاكرة طويلة المدى، وعندما تمت ترقية هذا الإطار إلى “المحولات”، حُلت تلك المشكلة. لقد أوجد ذلك نوعاً جديداً من “الانتباه” (attention)، حيث يمكن للنموذج أن يجعل كل كلمة “تنظر إلى” أي كلمة أخرى في سياق النص، مما أفسح المجال لتفكير متوازٍ وثري. ومن الغريب أنه على الرغم من أن “المحولات” لم تُصمم لمحاكاة البيولوجيا، إلا أن أدواتها عكست آليات نراها في “حصين” الدماغ (hippocampus) وأنظمة “خلايا الشبكة” (grid-cell).
لكن لدى المحوّلات (Transformers) سمة غريبة أيضًا: فهي لا تتذكر كيف توصّلت إلى نتيجة ما. إذ يتم توليد كل رمز (token) من جديد، من دون استمرارية داخلية في عملية التفكير بشكل مستقل. ولهذا السبب، قد تحل أحيانًا مسألة رياضية بشكل صحيح، ثم تقدّم تفسيرًا خاطئًا تمامًا. وعندما يحدث ذلك، يكفي أن تطلب من النموذج أن «يفكّر خطوة بخطوة». فتمامًا مثل الطالب الذي يكتب خطوات الحل، يؤدّي النموذج أداءً أفضل عندما يُجزّئ عملية الاستدلال إلى مراحل واضحة.
وهذا يوضح لك أن اللغة هي “سقالة” الفكر؛ فالتفكير خطوة بخطوة يحسن أداء الذكاء الاصطناعي تماماً كما يساعد البشر على بناء المعرفة وتراكمها.
الومضة السادسة – الجانب الإيجابي والسلبي في طفرات (اختراقات) الذكاء
دعونا نختتم الأمر بالنظر إلى ما قد يخبئه المستقبل للذكاء الاصطناعي.
في الوقت الراهن، لا يزال الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن مستوى الذكاء البشري تماما، ولكنه في الواقع بات قريبًا جدًا من نوع الذكاء الذي نراه في الكائنات الحية الأخرى.
على سبيل المثال، تُظهر النحل مجموعة كاملة من القدرات التي نعدّها معرفية: التعلم المرن، والقدرة على التعميم، وذاكرة عاملة طويلة الأمد، بل وحتى ضبط النفس وتأجيل الإشباع. فهي تبني خلاياها وتصلحها بطرق تتكيّف مع أوضاع غير مألوفة، وتتعرف على الأشكال والأنماط عبر الحواس المختلفة، وتتخذ قرارات حذرة بناءً على تجارب سابقة سيئة. بعبارة أخرى، هي تقوم بنسخة “الدماغ الصغير” مما يمكن أن نسمّيه “التفكير والاستنتاج”. وكل ذلك هو نوع الذكاء الذي تستطيع نماذج المحوّلات (Transformers) القيام به أيضًا. حتى النماذج الصغيرة يمكنها قراءة قصص قصيرة والاستدلال عليها والاستنتاج منها. وهذا يضعها تقريبًا في نطاق «ذكاء دماغ النحلة».
أما عندما يتحدث الناس عن مسار تطور الذكاء الاصطناعي، فإنهم غالبًا ما يتخيلون مسرحية من ثلاثة فصول واضحة: ذكاء اصطناعي ضيق، ثم ذكاء اصطناعي عام، ثم ذكاء فائق ولحظة التفرد (Singularity) بعدها. أما في الواقع، فإن القفزة نحو “العمومية” قد حدثت بالفعل – بهدوء – عندما بدأنا في التدريب المسبق لنماذج التسلسل الضخمة والتحدث إليها بشكل تفاعلي.
بمجرد حدوث هذا التحول، توقف التقدم عن الظهور كأنه سلسلة من العتبات المنفصلة، وبدأ يبدو كرحلة تسلق طويلة وشاقة. وهذا نمط شهدناه من قبل؛ فقد كانت أجهزة الكمبيوتر الأولى عبارة عن أدوات متخصصة، حتى وصل عصر الحوسبة الرقمية القابلة للبرمجة والأغراض العامة. وبعد ذلك، تسارع كل شيء وفق منحنى أسي سلس. والذكاء الاصطناعي يتبع السيناريو نفسه: فقد حدث التحول الكبير بالفعل، وما نشهده الآن هو مرحلة التسارع.
لكن ربما يكون السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما الذي يعنيه هذا للحياة على كوكب الأرض. فهذه التحولات التقنية تعيد تشكيل كل شيء. الزراعة، المدن، الصناعة، الكهرباء – كل قفزة منها تعيد هندسة طرق عيشنا، ومن يعتمد على من، وكيف تتدفق المعلومات.
وقد يكون الذكاء الاصطناعي هو القفزة التالية؛ ليس لأن الآلات ستحل محلنا، بل بسبب الطريقة التي نسجت بها البشرية نفسها داخل “عقل جمعي” يزداد توسعاً يوماً بعد يوم. فكل تحول كبير جعل الفرد أقل اكتفاءً ذاتياً وأكثر اعتماداً على البنية التحتية – لدرجة مخيفة أحياناً. إذ يمكن للصياد وجامع الثمار البقاء على قيد الحياة ولأيام في البرية بمفرده، بينما لا يستطيع سكان المدن الصمود يوماً واحداً بدون كهرباء، ومضخات مياه، وسلاسل إمداد، وأنظمة اتصالات. وكل طبقة جديدة من “التكافل (التعايش) التكنولوجي” ترفع من قدراتنا وتزيد من هشاشتنا في آن واحد. ويأتي صعود الذكاء الاصطناعي ليواصل هذا النمط: قوى جديدة هائلة مغلفة بتبعية جديدة لم نفهم أبعادها بعد بشكل كافٍ.
وقد تكون هذه هي القراءة الأدق: أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تحولًا في قصتنا التطورية قد بدأ بالفعل. فالذكاء يصبح أكثر جماعية، وأكثر هجينا، وأكثر توزعًا بكثير. والأسئلة الملحّة اليوم لا تتعلق بوصول ذكاء فائق افتراضي من العدم، بل بكيفية قيام هذه الطبقة الجديدة من “الإدراك” بتغيير مخاطرنا، وإعادة تشكيل مؤسساتنا، وتبديل ما يمكننا بناؤه معاً.
الخلاصة النهائية
الخلاصة الأساسية في ومضات هذا الكتاب هي أن الذكاء ليس جوهراً غامضاً يقتصر على البشر؛ بل هو نتيجة طبيعية لصراع الحياة المستمر من أجل التنبؤ، والتكيف، والحفاظ على الاستقرار الديناميكي. ومع مرور الزمن، أدّت ضغوط البقاء إلى نشوء أجهزة عصبية أكثر ثراءً، وسلوكيات أكثر مرونة، وفي النهاية إلى العقول الاجتماعية القادرة على التأمل الذاتي التي نعرفها في أنفسنا. فالذكاء ليس سوى تراكم تدريجي لقدرات أفضل على التنبؤ، ونماذج داخلية أكثر ثراءً، وحلقات تغذية راجعة أكثر تعقيدًا. وقد تطورت أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة انطلاقًا من المبادئ نفسها.
لقد دفعت “السيبرانيات” علم السيبرنيتيكا والحواسيب المبكرة المهندسين نحو بناء آلات تستشعر العالم، وتتصرف فيه، وتحدّث سلوكها باستمرار — على نحو يحاكي حلول الطبيعة نفسها. ومع الزمن، التقطت “البرسيبترونات” والشبكات العصبية هذا الخيط، وقدّمت لنا معماريات وهيكليات قادرة على التعميم وتقريب الدوال غير الخطية الفوضوية التي يقوم عليها الإدراك الحقيقي. ورغم أن أنظمة اليوم ما تزال تفتقر إلى التعلّم المستمر والتكيّف اللحظي، فإنها تعكس النمط ذاته الذي شكّل الذكاء البيولوجي. فالذكاء الاصطناعي ليس منافسًا غريبًا عنّا، بل هو الفصل الأحدث في قصة تطورية قديمة جداً، تربط بين الجزيئات والحيوانات والمجتمعات والآلات من خلال المنطق العالمي للتنبؤ.
نبذة مختصرة عن المؤلف
السيد بليز أغويرا إي أركاس (Blaise Agüera y Arcas) هو مؤلف وباحث بارز في مجال الذكاء الاصطناعي، ويشغل منصب نائب رئيس وزميل (Fellow) في شركة جوجل (Google)، حيث يعمل مديرًا تنفيذيًا للتكنولوجيا (CTO) لقطاع «التكنولوجيا والمجتمع». كما يُعد المؤسس لمبادرة «نماذج الذكاء» (Paradigms of Intelligence – Pi)، وهي مبادرة بحثية تُعنى بالأبحاث الأساسية في الذكاء الاصطناعي والمجالات المرتبطة به.
ألّف السيد بليز عددًا كبيرًا من الأوراق البحثية والمقالات والفصول العلمية، إلى جانب مجموعة من الكتب الفكرية والعلمية، من أبرزها:
- يوبي سونت “Ubi Sunt”،
- من نحن الان “Who Are We Now”،
- ماهي الحياة “What Is Life?”
- وكتابه الأحدث “ما هو الذكاء؟” (What Is Intelligence)
وتتناول أعماله تقاطعات الذكاء الاصطناعي مع الفلسفة، والعلوم المعرفية، والمجتمع، مقدّمًا رؤى عميقة حول طبيعة الذكاء والحياة والهوية الإنسانية في العصر الرقمي.