ومضات معرفية من كتاب ” إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: الأحلام والكوابيس في شركة سام ألتمان «أوبن إيه آي OpenAI» “
ترجمة وبتصرف: عبدالله سلمان العوامي
تاريخ نشر الترجمة: ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥م
تاريخ اصدار الكتاب بغلاف مقوى: ٢٠ مايو ٢٠٢٥م
مؤلف الكتاب: السيدة كارين هاو (Karen Hao)، نبذة مختصرة عن سيرته الذاتية تجدها في الصفحة الأخيرة.
اسم الكتاب باللغة العربية والإنجليزية:
إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: الأحلام والكوابيس في شركة سام ألتمان «أوبن إيه آي OpenAI»
Empire of AI: Dreams and Nightmares in Sam Altman’s OpenAI
المصدر: منصة الوميض Blinkist
تنصّل:
هذه الترجمات لا تعبّر بالضرورة عن تأييدٍ أو معارضةٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، وإنما تهدف إلى إثراء المحتوى العربي من خلال نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر متعددة، مع الحرص على إيصال المعنى والسياق بأكبر قدر ممكن من الدقة والأمانة. وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بأكثر من منصة من منصات الذكاء الاصطناعي للمقارنة والمراجعة واختيار الصياغات الأنسب، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل تعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن وضوح المعنى وعدم اختلاله.
وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تنسجم بالضرورة مع بعض القناعات الشخصية، إلا أن نشرها يأتي في إطار الإسهام في الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وفتح المجال للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة مثل الصحة، والتقنية، والاقتصاد، وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
توطئة:
يرتبط اسم السيد سام ألتمان (Sam Altman) بعنوان كتاب «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: الأحلام والكوابيس في شركة أوبن إيه آي (OpenAI)» بوصفه الشخصية المحورية في التحوّل العميق الذي شهدته الشركة، من مبادرة غير ربحية ذات طموح أخلاقي وإنساني إلى كيان تقني عالمي يتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي واسع. فالكتاب لا يتناول السيد ألتمان كشخص فحسب، بل يقدّمه رمزًا لمرحلة تاريخية انتقل فيها الذكاء الاصطناعي من “حلم إنساني” إلى قوة مركزية مؤثرة في موازين العالم. ويعود هذا الارتباط الوثيق إلى دوره القيادي في إعادة تشكيل مسار الشركة، حيث تحوّلت شركة أوبن ايه اي OpenAI، تحت إدارته، إلى ما يشبه «إمبراطورية تقنية» تجمع بين الابتكار العلمي، والنفوذ المؤسسي، والرهانات الاقتصادية الكبرى. ويصوّره الكتاب لا بوصفه مديرًا تنفيذيًا فحسب، بل باعتباره تجسيدًا لمركزة السلطة في عالم الذكاء الاصطناعي، ومحركًا رئيسيًا لربط مستقبل الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General Intelligence – AGI) برؤيته الشخصية وطموحاته القيادية، إلى الحد الذي باتت معه هوية المؤسسة ومسار التقنية مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بقراراته وتوجهاته.
ويركّز العمل كذلك على التوتر العميق بين وعود الابتكار والتقدم من جهة، والمخاوف الأخلاقية والبيئية من جهة أخرى، في تجسيد واضح لثنائية «الأحلام والكوابيس». فالأحلام ترمز إلى ما يعد به الذكاء الاصطناعي من تحسين لحياة البشر وحلّ معضلات كبرى، بينما تعبّر الكوابيس عن التبعات المصاحبة لهذا التوسع، مثل استغلال العمالة في الدول النامية، والضغط البيئي المتزايد الناتج عن مراكز البيانات، وتعاظم مركزية السلطة داخل المنظومة التقنية. ويعرض الكتاب هذه المفارقة بوصفها جوهر تجربة السيد ألتمان نفسها؛ فبينما تعكس الأحلام طموحاته في تحقيق الرفاه الإنساني، تكشف الكوابيس عن الآثار الأخلاقية والاجتماعية والبيئية التي رافقت هذا النمو المتسارع، ليغدو السيد ألتمان رمزًا لمسؤولية ثقيلة تتمثل في تحقيق توازن هش بين الابتكار التقني المتسارع والمخاطر الوجودية المترتبة عليه.
وبذلك، لا يستخدم الكتاب اسم السيد سام ألتمان بوصفه استهدافًا شخصيًا، بل باعتباره تجسيدًا لتحوّل أوسع في بنية السلطة داخل عالم الذكاء الاصطناعي، حيث باتت القرارات المصيرية متركزة في أيدي قلة، وأضحى المشروع التقني مزيجًا معقدًا وأحيانا فوضويا من الطموح الإنساني الكبير والمخاطر العميقة في آنٍ واحد.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون Amazon:
من بين الكتب البارزة في التي تتصدر قائمة صحيفة نيويورك تايمز. وصل للتصفيات النهائية لجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية National Book Critics Circle Award. تصدر قائمة نيويورك تايمز New York Times للكتب الأكثر مبيعاً فور صدوره. اختير كأحد أفضل كتب العام من قبل مجلات مرموقة مثل سميثسونيان (Smithsonian) وساينتيفك أميركان (Scientific American) وإيل (Elle)
تعلق مجلة تايم (TIME) بالقول: “كتاب مشوق يتصدر قائمة الأكثر مبيعاً، وقد أحدث ضجة ليس فقط في وادي السيليكون Silicon Valley بل في جميع أنحاء العالم… من خلال كتابها (إمبراطورية الذكاء الاصطناعي)، تساهم المؤلفة السيدة كارين هاو (Karen Hao) بشكل جوهري في تشكيل تصورات وفهم الكثيرين للشركة التي تقبع في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي.” كما أضافت مجلة تايم (TIME)، مؤلفة الكتاب السيدة كارين هاو (Karen Hao) في “قائمة تايم لـ 100 شخصية الأكثر تأثيراً في صياغة مستقبل في الذكاء الاصطناعي لعام 2025”
السيد تيم وو Tim Wu، من صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) يقول: “كتاب ممتاز ومُعدّ بعمق بحثي كبير.”
اما منصة فولتشر (Vulture) الإخبارية فتعلق على الكتاب بالقول: “صادم ومكثّف البحث… سرد أساسي يشرح كيف وُلدت شركة أوبن إيه آي OpenAI ونموذجها تشات جي بي تيChatGPT، وإلى أي مسارات كارثية محتملة قد تقودنا.”
بقلم خبيرة متميزة ومطلعة على كواليس الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة، والتي امتلكت وصولاً وثيقاً إلى عالم السيد سام ألتمان (Sam Altman) وأوبن إيه آي (OpenAI) منذ بداياتها؛ تقدم لنا رواية مذهلة عن واحدة من أخطر سباقات التسلح التقني مصيرية في التاريخ، والذي يعيد تشكيل الكوكب في الوقت الفعلي، من داخل قمرة القيادة للشركة التي تقود هذا الجنون والهوس العالمي.
عندما بدأت خبيرة الذكاء الاصطناعي والصحفية الاستقصائية السيدة كارين هاو (Karen Hao) تغطية أخبار شركة أوبن إيه آي (OpenAI) عام 2019، كانت تعتقد أنهم يمثلون الجانب “الخيّر”. فقد تأسست المنظمة بوصفها جهة غير ربحية، وجُعلت السلامة وبكلمة أخرى “الأمان” في صميم وجوهر رسالتها، وكان قائدها السيد سام ألتمان (Sam Altman) يؤكد أنها وُجدت لتكون صمام أمان في مواجهة قوى أكثر تجارية وربما أكثر خطورة. فما الذي يمكن أن يسير بشكل خاطئ؟
مع مرور الوقت، بدأت السيدة هاو تتعمق أكثر في هذا السؤال. وأدركت تدريجيًا أن الحقيقة الجوهرية لهذا القطاع شديد الاضطراب هي أن رؤيته للنجاح تتطلب حجمًا غير مسبوق من الموارد: قدرة “حوسبية compute” هائلة تعتمد على رقائق متقدمة، وطاقة معالجة ضخمة لبناء نماذج لغوية عملاقة، وكميات هائلة من البيانات التي يجب جمعها على نطاق واسع، إضافة إلى البشر الذين يعملون على “تنظيف” هذه البيانات بأجور زهيدة في بلدان الجنوب العالمي، فضلًا عن الارتفاع المقلق في استهلاك الطاقة والمياه الذي يقف خلف كل ذلك.
الحقيقة أننا دخلنا عصرًا جديدًا ومقلقًا من الإمبراطوريات: لم يعد بإمكان سوى عدد ضئيل جدًا من الشركات العملاقة على مستوى العالم دخول هذا المضمار أصلًا. ومع تصدّر أوبن إيه آي OpenAI المشهد بفضل اختراقها المتمثل في نموذجها لروبرت الدردشة “تشات جي بي تي” ChatGPT، يبرز السؤال الحاسم: كيف ستقاوم الشركة إغراءات هذا الواقع؟
تحذير بحرق الأحداث: لم تقاوم الشركة تلك المغريات. فبفضل مليارات الدعم من شركة مايكروسوفت Microsoft، اندفعت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) بسرعة هائلة، تلاحقها مجموعة صغيرة من أكثر الشركات قيمة في تاريخ البشرية — نحو غاية لا يعرف حتى القائمون عليها ماهيتها ولا يستطيعون هم أنفسهم تحديدها. وخلال كل ذلك، حافظت السيدة كارين هاو (Karen Hao) على مصادرها العميقة داخل الشركة وفي القطاع التقني، وكانت على تماس مباشر مع القصة التي هزّت عالم التكنولوجيا بأكمله: الإقالة المفاجئة لـلسيد سام ألتمان (Sam Altman) ثم عودته الظافرة. وتُروى هنا، ولأول مرة، القصة كاملة من خلف الكواليس، كاشفةً عن حقيقة الأشخاص الذين يمسكون بزمام هذه التكنولوجيا.
لكن هذه ليست مجرد قصة شركة واحدة، مهما كانت مثيرة للإعجاب. فالقوى الهائلة التي تضغط على العاملين في شركة أوبن إيه آي (OpenAI) تُشوّه أيضًا أحكام الجميع من حولهم — كما تفعل مثل هذه القوى دائمًا. فالقوة العارية تبحث دائمًا عن أيديولوجيا تتخفّى خلفها؛ ولا أحد يرى نفسه شريرًا. وفي الوقت نفسه، كما تُظهر السيدة هاو من خلال تحقيقاتها الميدانية حول العالم، تستمر عجلات الاستخراج الضخمة في الدوران بلا توقف. ومن خلال الاستماع إلى مهندسي وادي السيليكون، وعمال البيانات في كينيا، ونشطاء المياه في تشيلي، تقدّم السيدة هاو الصورة الأكثر اكتمالًا حتى الآن عن الذكاء الاصطناعي وتأثيره، إلى جانب تحليل ثاقب لما يتجه إليه المستقبل. إنها شهادة مذهلة من داخل قمرة القيادة في الاقتصاد الجديد، ومن أسفل حيث يحدث الألم الحقيقي — كتاب إمبراطورية الذكاء الاصطناعي يمزّق الستار عن الصناعة التي تُعيد تشكيل عصرنا.
المحتوى التالي هو ترجمة للنص الإنجليزي في منصة الوميض Blinkist. وهو مكون من مقدمة وخلاصة نهائية بالإضافة الى ٥ ومضات معرفية. وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب:
المقدمة – اكتشف الحقيقة الكامنة وراء ثورة الذكاء الاصطناعي.
ربما استخدمتَ أنت تشات جي بي تي ChatGPT بالفعل، أو سمعتَ من يبالغ في الحديث عن كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي كل شيء، من الرعاية الصحية إلى التعليم. وكثيرون، مثلك، أُعجبوا بقدراته. ربما ظننتَ أن هذه الأداة الجديدة قد توفّر عليك الوقت، أو حتى تحرّر البشرية من العمل إلى الأبد. لكن في المقابل، ربما راودك شعور خفي بالقلق حول إلى أين يتجه كل هذا — وماذا يعني ذلك لمستقبل الإنسان نفسه وما يعنيه ذلك لبقاء البشرية.
فخلف هذا الضجيج، تكمن قصة مختلفة تمامًا: قصة كيف تحوّلت منظمة غير ربحية أُسِّست من أجل إتاحة الذكاء الاصطناعي لخدمة البشرية، إلى إمبراطورية تُقدَّر قيمتها بـ 157 مليار دولار. وهذه هي القصة التي ستكتشفها في هذه الومضات المعرفية — قصة تبدو أحيانًا أقرب إلى الخيال (الديستوبي المدمر) dystopian fiction أكثر من كونها تاريخاً حديثاً.
وفي نهاية القصة، ستفهم كيف انتقلت شركة أوبن إيه آي OpenAI من رفض نشر نموذج النسخة الثانية من تشات جي بي تي GPT-2 لأسباب تتعلق بالسلامة إلى التسرع في طرح تشات جي بي تي ChatGPT في السوق خلال أسبوعين فقط.
تُعدّ هذه الأحداث مهمة للمساعدة في فهم عالم اليوم – العالم الذي يربط مصيره بشكل متزايد بمصير الذكاء الاصطناعي.. فبمجرد أن تتجاوز السردية الدعائية المعقّمة التي تروّج لها شركة اوبن ايه اي OpenAI عن “التقدّم”، ستتمكن من تكوين رؤية أوضح عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد فعلًا توزيع القوة لصالحك، أم أنه ببساطة يعزّز إمبراطورية مبنية على بياناتك، وإبداعك، وثقتك.
ومع قول كل ذلك، دعونا نعود إلى البداية تماماً – إلى عشاء خاص حيث زُرعت بذور واقعنا الحالي دون قصد.
الومضة الأولى – بداية جديدة
كان جميع الضيوف قد جلسوا في أماكنهم باستثناء شخص واحد – لقد تأخر السيد إيلون ماسك (Elon Musk)، لأكثر من ساعة.
نحن في عام 2015، وكان السيد سام ألتمان (Sam Altman)، رئيس حاضنة الأعمال واي “Y Combinator” البالغ من العمر 30 عاماً، يراقب وصول الضيوف لحفل عشاء حميمي خاص.
المكان؟ فندق روزوود (Rosewood) الفاخر. أما الضيوف؟ نخبة من أبرز العقول في وادي السيليكون Silicon Valley في مجال الذكاء الاصطناعي.
أما جدول الأعمال؟ بند واحد فقط: مناقشة مستقبل البشرية. وذلك، بطبيعة الحال، بين أطباق من لحم “الواغيو Wagyu ” الفاخر.
بعد مرور ساعة على الموعد المحدد لبدء العشاء، وصل السيد إيلون ماسك (Elon Musk) أخيرًا. بالنسبة له، كان الهدف من هذا اللقاء وضع حدٍّ لشهور من القلق — قلقٍ نشأ بعد استحواذ شركة جوجل (Google) على مختبر الذكاء الاصطناعي ديب مايند (DeepMind) مقابل مبلغ زهيد 500 مليون دولار فقط. كان هذا الأمر يؤرقه ليلًا، بل وأدّى إلى توترٍ بينه وبين صديقه وشريك جوجل المؤسس السيد لاري بيج (Larry Page). فبينما كان السيد بيج يرى في الذكاء الفائق (superintelligence) الخطوة المنطقية التالية في تطور البشرية، كان السيد ماسك يعارض ذلك بشدة. بل إن السيد بيج وصف السيد ماسك بأنه “عنصري ضد الأنواع” (speciesist) — أي شخص يمارس التمييز ضد الذكاء غير البشري.
بعد أن اتخذ السيد ماسك مقعده على الطاولة، بدأ السيد ألتمان في مخاطبة الحضور. كان السيد ماسك قد درس شخصية السيد ألتمان مسبقا؛ ففي مراسلاتهما عبر البريد الإلكتروني، قال الشاب كل الأشياء الصحيحة حول سلامة الذكاء الاصطناعي. كان هدف السيد ألتمان المعلن هو إنشاء أول ذكاء اصطناعي عام حقيقي (AGI – Artificial General) في العالم – وتسخيره لتمكين الأفراد. والأهم من ذلك، أن كليهما كان يشتركان في قناعة مفادها أن هذا المشروع يجب أن يركز على السلامة وألا يكون هدفه الربحية. أو هكذا كان السيد ماسك يعتقد.
وهكذا بدأوا في طرح رؤيتهم لمختبر ذكاء اصطناعي على جميع الحاضرين – مختبر يكون مستقلًا عن الضغوط التجارية لشركة جوجل. وتعهد السيد ماسك بتقديم ما يصل إلى مليار دولار، وتم إبرام الصفقة. أطلقوا عليها اسم أوبن إيه آي OpenAI، والأهم من ذلك أنه كان كيانًا غير ربحي.
ولكن بحلول عام 2017، بدأ حلم الكيان غير الربحي يصطدم بواقع قاسٍ ومرير. فقد تبيّن سريعًا أن بناء ذكاء اصطناعي عام (AGI) يتطلب مليارات الدولارات سنويًا لتأمين عشرات الآلاف من وحدات المعالجة الرسومية (GPUs) اللازمة. وهكذا بدا أن الهيكل غير الربحي يصطدم بطريق مسدود. لذا، بدأت القيادة في مناقشة ما كان غير قابل للتفكير فيه سابقاً: وهو ضرورة تحول كيان أوبن ايه اي OpenAI إلى شركة ربحية.
لكن من سيكون الرئيس التنفيذي لمثل هذا الكيان؟ هنا اندلع صراع على النفوذ. كانت خطة السيد إيلون ماسك (Elon Musk) هي دمج أوبن إيه آي (OpenAI) داخل شركة تسلا (Tesla)، مستخدمًا ثروته الهائلة لمنافسة جوجل. لكن السيد سام ألتمان (Sam Altman) كانت لديه رؤية مختلفة تمامًا. فقد لجأ مباشرة إلى القيادات المؤثرة، مصوراً السيد ماسك بوصفه شخصًا “متهورًا” أكثر مما ينبغي و”متقلب” للغاية لقيادة مثل هذا المشروع. فهل يمكنهم حقاً الوثوق بوضع الذكاء الاصطناعي العام (AGI) في يد رجل واحد شديد القدرة ولا يمكن التنبؤ بأفعاله؟
نجحت المناورة، وانتهت المواجهة. في أوائل عام 2018، وبعد أن وجد نفسه محاصرًا ومغلوبًا على أمره، أعلن السيد ماسك انسحابه في اجتماع متوتر لجميع الموظفين. لكنه لم يغادر بصمت؛ إذ أخبر الموظفين المذهولين أن أوبن إيه آي OpenAI ستفشل بصفتها منظمة غير ربحية، وأنه سيسعى من جانبه إلى تحقيق مهمة الذكاء الاصطناعي الآمن عبر شركته تسلا. ثم غادر… وأخذ أمواله معه.
وبقي السيد ألتمان في موقع المنتصر، غير أنّه وجد نفسه على رأس شركة تعاني وضعًا ماليًا هشًّا يقترب من الخطر. فقد غادر الشريك المؤسس المعروف بهوسه بقضايا السلامة، لتبقى التساؤلات معلّقة حول الكيفية التي ستتمكن بها شركة أوبن إيه آي (OpenAI) من وقف هذا النزيف المالي ومواجهة تحديات الاستدامة المقبلة.
الومضة الثانية – ثمن التوسّع
بعد رحيل السيد ماسك، بدا أن حلم «أوبن إيه آي OpenA» كمنظمة غير ربحية قد دُفن إلى الأبد. لكن في المقابل، بدأ شيء آخر يتشكّل، شيء قد يجعل كل ذلك الصراع يستحق العناء. انبثق هذا الشيء من عقل السيد إيليا سوتسكيفر Ilya Sutskever – كبير العلماء الذي استقطبه السيد ماسك والسيد ألتمان من شركة جوجل.
بينما كان الآخرون يتناقشون حول بنيات برمجية مبتكرة للذكاء الاصطناعي، بدأ السيد سوتسكيفر في تطوير فكرة مختلفة تماما، ومفادها: إذا كان ذكاء الكائنات الحية يرتبط بحجم أدمغتها، فلماذا لا ينطبق المبدأ نفسه على الذكاء الاصطناعي؟ وبعبارة أخرى، إذا كانت العُقَد الاصطناعية تشبه الخلايا العصبية (العصبونات) في الدماغ البشري، فإن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى بنية جديدة كليًا، بل إلى قدرٍ أكبر من القدرة الحاسوبية… وكمية هائلة من البيانات.
أصبحت هذه الفكرة هي العقيدة الجديدة لشركة «أوبن إيه آي OpenAI»، وعُرفت باسم «عقيدة التوسّع» (scaling doctrine). كانت الخطة بسيطة: بدل تدريب النموذج على نصوص منتقاة بعناية، تقوم الشركة بتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات الإنترنت الخام نفسها، من خلال جمع النصوص من مليارات المواقع دون تمييز. كانت فكرة السيد سوتسكيفر Sutskever أن الذكاء سيظهر تلقائيًا إذا ما تم تدريب النموذج على كمية هائلة بما يكفي من البيانات.
لكن كانت هناك مشكلة واحدة صغيرة فقط؛ فقد أظهرت التجارب المبكرة أن النماذج التي تدربت على بيانات الإنترنت الخام انتهى بها الأمر إلى إطلاق نظريات المؤامرة حول السيد جورج سوروس George Soros ودعاية للنازيين الجدد. وتبيّن أن أجزاءً كبيرة من الإنترنت تعكس الجوانب المظلمة في الطبيعة البشرية.
لذلك توصّلت شركة «أوبن إيه آي OpenAI» إلى حلٍّ ما — بناء مرشّح بشري بمساعدة عمّال متعاقدين من دول الجنوب العالمي. كان أحد هؤلاء العاملين هو السيد موفات أوكيني Mophat Okinyi من كينيا. كان يصل كل صباح ليعمل كمحلّل جودة ضمن فريق محتوى المواد الجنسية، وكانت مهمته قراءة وتصنيف آلاف المقاطع النصية البشعة.
وكان الأسوأ بينها هو المحتوى المتعلق بالاعتداء الجنسي على الأطفال، يليه المحتوى الذي يصف سفاح القربى (زنا المحارم) والاعتداء على الحيوانات (البهيمية). بعض هذه المواد كان مأخوذًا من مواقع إباحية تصف خيالات اغتصاب، وأجزاء أخرى كانت من إنتاج ذكاء اصطناعي طُلب منه أن يتخيّل ما لا يمكن تخيّله. مقابل أقل من دولارين في الساعة، كان فريق السيد أوكيني يقوم بتصنيف أسوأ النزاعات في الطبيعة البشرية.
مع مرور الوقت، بدأ السيد أوكيني يشعر بأن عقله يتفكك تدريجيًا. بعض المنشورات المروّعة كانت تلاحقه حتى في منزله، وتتسلل إلى نومه. بدأ ينسحب من عائلته، غير قادر على شرح مصدر معاناته بسبب اتفاقيات عدم الإفصاح السرية الصارمة. ومن حوله، بدأ زملاؤه ينهارون واحدًا تلو الآخر. لم يكونوا يعلمون أنهم يساهمون في بناء نموذج «تشات جي بي تي ChatGPT» — كل ما كانوا يعرفونه هو أن هذا العمل كان يدمّرهم ببطء.
وعندما أُطلق «تشات جي بي تي» وأصبح التطبيق الأسرع نموًا في التاريخ، فهم السيد أوكيني وزملاؤه الحقيقة أخيرًا. ذلك الذكاء الاصطناعي “السحري” الذي بات يساعد الملايين على كتابة الرسائل والمقالات لم يكن نقيًا من تلقاء نفسه؛ بل كان قادرًا على ذلك لأن فرقًا مثل فريقهم قامت أولًا بتنقية القذارة عنه. وكانت تلك أول صدمة كبرى في عصر الذكاء الاصطناعي — صدمة تحمّلها عمّال التكنولوجيا في الجنوب العالمي من أجل إثراء وادي السيليكون.
وهكذا، بعد ترويض بيانات الإنترنت، وبعدها حان الوقت لمواجهة المشكلة الكبرى التالية. فإلى جانب هذا الكم الهائل من البيانات – كميات ضخمة جدا ً- كانت شركة «أوبن أيه آي» بحاجة إلى قدر مذهل من قوة الحوسبة توازيها من أجل تشغيلها. مما استدعى البحث عن شريك يمتلك قدرات حوسبة على نطاق صناعي واسع.
الومضة الثالثة – الصفقة التي غيّرت كل شيء
في صيف عام 2019، وجد السيد ألتمان Altman نفسه في أكثر تجمعات النخبة الرأسمالية الأميركية حصرية. كان ذلك، بطبيعة الحال، في مؤتمر “ألن وشركاه” ( Allen & Company) بمدينة صن فالي في ولاية أيداهو Sun Valley, Idaho. ولم يكن يعلم آنذاك أن شراكة مصيرية على وشك أن تتشكل هناك — شراكة ستحل مشكلة الحوسبة لديه، وتطلق سلسلة من الأحداث التي ستسرع من عجلة حركة التاريخ.
هناك، وجد السيد ألتمان نظيره في شخصية الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت Microsoft، السيد ساتيا نادالا Satya Nadella. كان السيد نادالا يشعر بالقلق؛ فشركة جوجل كانت تتصدر سباق الذكاء الاصطناعي، وتنشر أبحاثاً رائدة، وتستقطب ألمع العقول في هذا المجال. وفي المقابل، كان السيد ألتمان يواجه أزمة مختلفة تمامًا: جوعًا هائلًا للحوسبة تفرضه عقيدة “التوسّع” التي تبناها.
وهكذا، وعلى خلفية من المناظر الجبلية ووجبات العشاء الخاصة، بدأت ملامح الشراكة تتشكّل. كان الاتفاق كالتالي: تستثمر شركة مايكروسوفت Microsoft مليار دولار في كيان جديد داخل شركة اوبن ايه اي OpenAI يُعرف بـ “محدود الربح” (capped-profit) وهو هيكل مؤسسي غير مألوف إلى درجة أربكت حتى المحامين. في المقابل، حصلت شركة مايكروسوفت Microsoft على حقوق حصرية لتسويق تقنيات شركة اوبن ايه اي OpenAI لفترة زمنية غير محددة، ما منحها أفضلية حاسمة على منافسيها. صفقة رابحة للطرفين — فتحوّل تعطّش السيد ألتمان الهائل للحوسبة إلى مصدر إيرادات مضمون لشركة مايكروسوفت Microsoft.
ظلت هذه الشراكة تطبخ على نار هادئة لمدة ثلاث سنوات. ثم، في أواخر عام 2022، وصلت إشاعة مقلقة إلى السيد ألتمان مفادها: أن شركة “أنثروبيك” (Anthropic)، وهو مختبر منافس أسسه موظفون سابقون ساخطون من شركة أوبن ايه اي OpenAI، كان على وشك إطلاق روبوت محادثة خاص بالشركة الجديدة. كان خطر فقدان شركة أوبن ايه اي OpenAI للصدارة والريادة – وبالذات لصالح زملائهم السابقين تحديداً – أمراً لا يمكن تصوره ببساطة.
لذلك، تخلت شركة أوبن ايه اي OpenAI عن خطتها في انتظار نموذج النسخة الرابعة من تشات جي بي تي GPT-4 الأكثر تقدماً. وبدلاً من ذلك، قامت على عجل بتغليف نموذج حمل النسخة ٣،٥ من تشات جي بي تي GPT-3.5 الحالي بواجهة دردشة جديدة، على أن يتم إطلاقه في غضون أسبوعين فقط، على أن يُقدَّم بوصفه “معاينة بحثية” (research preview) وليس منتجاً مكتملا نهائياً. وكان الاسم الذي اختاروه هو: تشات جي بي تي ChatGPT.
كانت توقعات الفريق متواضعة؛ فقد ظنّوا أنه سيحظى بموجة اهتمام قصيرة ثم يخبو سريعًا. في الليلة التي سبقت الإطلاق، راهن الموظفون بشكل ودي على عدد المستخدمين المتوقع — وتوقّع المتفائلون بضعة عشرات الآلاف فقط. وفي النهاية، قرروا تجهيز الخوادم لاستيعاب مئة ألف مستخدم، فقط من باب الاحتياط.
في 30 نوفمبر 2022، انطلقت “المعاينة البحثية” للعلن ولجميع الناس. وما حدث بعد ذلك، كما يقال، أصبح جزءاً من التاريخ. ففي غضون خمسة أيام، سجل مليون شخص في الموقع. واضطر أحد مهندسي شركة اوبن ايه أي OpenAI، الذي كان يحضر فعالية توظيف، إلى مغادرة الحفل على عجل وهو يرسل رسائل متوترة لزملائه مفادها أن «كل شيء ينهار». وفي شركة جوجل، استدعت تنبيهات “الرمز الأحمر” الموظفين من إجازاتهم، حيث أُجبر قطاع التكنولوجيا بأكمله إلى التحرك سريعًا على إبداء ردة فعل.
وبعد شهرين فقط، وصل عدد المستخدمين إلى مئة مليون، ليصبح تشات جي بي تي ChatGPT التطبيق الاستهلاكي الأسرع نمواً في التاريخ. وبالنسبة لكثيرين داخل شركة اوبن أيه اي OpenAI، بدا هذا النجاح الجماهيري والانتصار الشعبي بمثابة تبرير كامل لما فعلوه وإثبات لصحة نهجهم. واشتعل حماس فرق المنتجات والتطبيقات لإطلاق نسخ جديدة بأسرع وقت ممكن.
ولكن في المقابل، بدأ صدع داخلي قديم في الشركة يتسع؛ إذ أطلقت أقلية صغيرة ولكن مسموعة من باحثي السلامة إنذارات متزايدة حول المخاطر التي قد تطلقها هذه التكنولوجيا. فالشركة التي ولدت من رحم الرغبة في إدارة تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل آمن، كانت تندفع الآن بسرعة جنونية نحو سباق عالي المخاطر للهيمنة على السوق. ولم يكن من الممكن أن تتعايش هاتان الرؤيتان المتعارضتان طويلًا — كان لا بد أن تنتصر إحداهما وأن تفسح الطريق للأخرى.
الومضة الرابعة – حرب السيطرة على «أوبن إيه آي» OpenAI
في أواخر عام 2020، شاهد الموظفون اجتماعاً عاماً عبر الفيديو حيث قرأ السيد “داريو أمودي Dario Amodei”، أحد كبار باحثي السلامة في شركة أوبن أيه اي OpenAI، بياناً معداً مسبقاً يعلن فيه رحيله هو وشقيقته “دانييلا Daniela” وعدة أشخاص آخرين. وفي العام التالي، أعلنوا عن تأسيس شركتهم الخاصة ذات النفع العام، تحت اسم: “أنثروبيك” (Anthropic). كان رحيلهم بمثابة طلقة تحذيرية مبكرة ضد تحول الشركة نحو التسليع التجاري، وهي طلقة لم تُؤخذ على محمل الجد.
وبالانتقال إلى عام 2023، ومع اندفاع الشركة بقوة وذلك بفضل نجاح تشات جي بي تي ChatGPT، وجد السيد إيليا سوتسكيفر Ilya Sutskever نفسه المؤسس الوحيد المتبقي الذي لا يزال يجسّد الرؤية الأصلية القائمة على أولوية السلامة. وبصفته كبير العلماء في شركة اوبن ايه اي OpenAI، كان هو المهندس الأساسي لعقيدة “التوسّع” التي جعلت كل ذلك ممكنًا. لقد كان، بمعنى ما، في صراع مع نفسه — منبهرًا بالتقدم المحقق، وفي الوقت ذاته مرتعبًا من عواقبه.
مثّل وصول النسخة الرابعة من تشات جي بي تي GPT-4 نقطة الانهيار بالنسبة له؛ فقد شكّلت القفزة الهائلة في قدرات النموذج، ولمحات ما بدا وكأنه فهم حقيقي، قناعةً لدى السيد سوتسكيفر بأن الذكاء الاصطناعي العام (AGI) لم يعد فكرة بعيدة، بل أصبح وشيكًا. وبسرعة. بدأ سلوكه يتخذ طابعًا نبوئيًا. ففي تجمعات الشركة، كان يحث الموظفين على “الشعور بالذكاء الاصطناعي العام”. وفي أحد اللقاءات، وقف كبار العلماء بملابس الاستحمام حول حفرة نار، بينما أضرم السيد سوتسكيفر مجسمًا خشبيًا كان قد طلبه خصيصاً. وأوضح أن هذا التمثال يمثل ذكاءً اصطناعياً عاماً مخادعاً وغير متوافق مع القيم البشرية، معلناً أن واجب شركة اوبن ايه اي OpenAI هو القضاء عليه وتدميره.
لكن تبيّن أن هواجس السيد سوتسكيفر كانت متجذّرة في أنماط سلوك السيد سام ألتمان. فكل تصرّف من تصرفات الرئيس التنفيذي، عند النظر إليه منفردًا، بدا بسيطًا وغير لافت. لكن عند جمعها معًا، تكشّف نمط واضح من التلاعب — تأليب القادة ضد بعضهم البعض، وخلق فوضى لا يستطيع أي شخص حلّها سواه. وكان أحدث مثال على ذلك ما جرى مع السيد يعقوب باخوتسكي Jakub Pachocki، أحد كبار الباحثين الذي كان يعمل تحت إشراف السيد سوتسكيفر؛ فبسبب إحباطه من افتقاره للسلطة، توجه السيد باتشوكي إلى السيد ألتمان، الذي شجع طموحاته ومنحه دوراً قيادياً أكبر.. ولم يُخبر ألتمان سوتسكيفر بشيء من ذلك، رغم كونه كبير العلماء. وقد اعتبر السيد سوتسكيفر هذا التصرف خيانة مباشرة.
في هذه الأثناء، وبينما كان السيد سوتسكيفر يصارع كل هذه الضغوط، عادت إلى الواجهة اتهامات قديمة صدرت عن شقيقة الرئيس التنفيذي السيد سام ألتمان، السيدة آني ألتمان Annie Altman، وانتشرت مجددًا على وسائل التواصل الاجتماعي. أضاف ذلك بُعدًا جديدًا إلى شكوكه. فقد اتهمت إحدى التغريدات المنتشرة السيد سام بأشكال مختلفة من الإساءة، بينما لمحت أخرى إلى واقعة حدثت دون رضاها في سرير طفولتها. لم يكن السيد سوتسكيفر يعلم ما إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة أم لا، لكنه اعتبرها بالنسبة له أدلة محتملة على تاريخ طويل من السلوكيات الإشكالية، وهو النمط الذي شعر الآن أنه يختبره بنفسه وبشكل مباشر.
بحلول أكتوبر 2023، كان السيد سوتسكيفر قد اكتفى بما رأى؛ فأرسل بريداً إلكترونياً إلى السيدة “هيلين تونر Helen Toner “، الباحثة في سلامة الذكاء الاصطناعي وعضو مجلس إدارة في شركة اوبن ايه اي OpenAI، والتي كانت لديها بدورها مخاوف بشأن افتقار السيد ألتمان للشفافية. وعندما تحدثا، كان السيد سوتسكيفر واضحًا تمامًا. أشار إلى «الفرصة الهائلة» التي باتت أمام مجلس الإدارة، وأخبرها بأنه يعتقد أن السيد ألتمان هو الشخص الخطأ ليتولى زمام الأمور عندما يصل الذكاء الاصطناعي العام. لقد بدأ المؤسس العلمي يتحرك ضد الرئيس التنفيذي، وكانت “الحرب المقدسة” على وشك أن تخرج إلى العلن.
الومضة الخامسة – المناورة الأخيرة
أدت خطوة السيد سوتسكيفر إلى تحريك مجلس الإدارة؛ بدأ الأعضاء المستقلون في مجلس الإدارة — السيدة هيلين تونر Helen Toner، والسيدة تاشا مكولي Tasha McCauley، والسيد آدم دانجيلو Adam D’Angelo — بعقد اجتماعات سرّية شبه يومية. تمحورت اتهاماتهم ضد السيد ألتمان حول غياب الشفافية، إضافة إلى أنماط من التلاعب والكذب، لدرجة بدت أحياناً وكأنه هو نفسه لا يصدق ما يقوله.
في يوم الجمعة 17 نوفمبر، عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت الساحل الغربي (المحيط الهادئ)، انضم السيد ألتمان إلى اجتماع عبر جوجل ميت Google Meet مع أربعة من أعضاء مجلس الإدارة. كان السيد سوتسكيفر مباشرًا، ومخاطبا السيد ألتمان قائلا: «أنت مُقال». ويقول شهود عيان إن السيد ألتمان لزم الصمت، مذهولاً، ونظر بعيداً ليستجمع قواه. أما بيان المجلس العام فكان دقيقاً كالجراحة، حيث خلص إلى أن السيد ألتمان “لم يكن صريحاً باستمرار في اتصالاته مع مجلس الإدارة، مما أعاق قدرة المجلس على ممارسة مسؤولياته”.
ظنوا أن الأمر سيمر بسلاسة، لكن تبين أنهم ارتكبوا خطأً فادحاً في الحسابات.
ففي غضون ساعات، استقال رئيس شركة أوبن إيه آي السيد بروكمان Brockman، وهو حليف السيد ألتمان، احتجاجًا على القرار. وتبعه عدد من كبار الباحثين. وفي اجتماع طارئ لجميع الموظفين عُقد ذلك اليوم، تعثّر السيد سوتسكيفر في تقديم تفسير مقنع. وعندما طالبه الموظفون القلقون بتوضيحات، لم يقل سوى القليل، مكتفيًا بتكرار البيان الرسمي، وطلب منهم “قراءة البيان الصحفي” و” أن يبقوا توقعاتهم بشأن الشفافية منخفضة”.
وتصاعدت ردود الفعل العنيفة؛ ففي شركة مايكروسوفت، استشاط الرئيس التنفيذي السيد ساتيا نادالا غضباً، وهو الذي لم يعلم بالخبر إلا قبل دقيقة واحدة من الإعلان. فالمؤسسة الشريكة له، والتي ضخ فيها مليارات الدولارات، قد انهارت لتوها من الداخل. وعلى الفور، عرض السيد نادالا توظيف السيد ألتمان والسيد بروكمان لقيادة مختبر جديد للذكاء الاصطناعي داخل شركة مايكروسوفت.
خلال ذلك الأسبوع، انتشرت رسالة مفتوحة داخل الشركة وعبر منصة «سلاك Slack» تحمل رسالة صريحة: إمّا إعادة السيد سام ألتمان إلى منصبه أو الاستقالة الجماعية والانتقال إلى شركة مايكروسوفت. وخلال ساعات، وقّع عليها أكثر من 500 موظف — أي أكثر من ثلثي الشركة — ثم ارتفع العدد لاحقًا إلى أكثر من 700.
وبحلول يوم الثلاثاء 21 نوفمبر، استسلم أعضاء مجلس الإدارة. عاد السيد ألتمان إلى منصبه رئيسًا تنفيذيًا، مبرَّأً ومُنتصرًا. وتم استبدال الأعضاء الذين أقالوه بحلفاء مثل لاري سامرز Larry Summers وبريت تايلور Bret Taylor. وهكذا انتهى الانقلاب الذي استمر خمسة أيام بفشل ذريع لتجربة أوبن إيه آي التأسيسية. لقد أضاع السيد سوتسكيفر وحلفاؤه فرصتهم — ولم يعد هناك من يستطيع الضغط على مكابح السرعة.
في الأشهر التي تلت ذلك، اكتمل تحول الإمبراطورية؛ إذ لم يعد السيد سوتسكيفر إلى المكتب قط، وتوزع باحثو السلامة بين شركتي “أنثروبيك Anthropic ” وجوجل Google، أو أسسوا مختبراتهم الخاصة. أما السيد ألتمان، فمضى قدمًا في الخيانة الأخيرة للرؤية الأصلية: إعادة هيكلة الشركة لتصبح كيانًا تجاريًا تقليديًا. لقد أثبتت شركة اوبن ايه اي OpenAI أنها أصبحت، وستظل، إمبراطورية السيد سام ألتمان الشخصية للذكاء الاصطناعي.
وهذا ينقلنا تقريباً إلى لحظتنا الراهنة، حيث تبدو أفكار السيد “جوزيف فايزنباوم Joseph Weizenbaum ” – أحد الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي – أكثر صدقاً من أي وقت مضى. لقد أدرك شيئاً يبدو أن السيد ألتمان قد نسيه: بمجرد أن تشرح كيف تعمل “خدعة سحرية” مثل الذكاء الاصطناعي، فإن “سحرها يتداعى”. الأمر بهذه البساطة. وهذا الوهم تحديدًا هو ما يغذي قيمة شركة «أوبن إيه آي». فعندما يدرك الناس أنك لا تحتاج إلى نخبة خاصة لبناء هذا “السحر” أو السيطرة عليه، يتبدد السحر كليًا.
وهذا يطرح سؤالاً، ليس حول ما إذا كانت إمبراطورية السيد ألتمان ستفشل، بل متى سيحدث ذلك؟ والأهم من ذلك: ماذا سنبني في مكانها؟ وهو سؤال أصعب بكثير من مجرد طرحه.
الخلاصة النهائية
في هذه الومضات المعرفية من كتاب “إمبراطورية الذكاء الاصطناعي” (Empire of AI) للكاتبة كارين هاو، تعلمت أن قصة شركة اوبن ايه اي OpenAI بدأت برؤية طموحة تهدف إلى “نفع البشرية جمعاء” – ولكن سرعان ما تحولت تلك الرؤية إلى صراع معقد وفوضوي على السلطة.
حين أدركت المنظمة غير الربحية أنها لا تستطيع الاستمرار دون التحول إلى كيان ربحي لمجاراة ديناميكيات السوق، اندلع صراع نفوذ بين السيد إيلون ماسك والسيد سام ألتمان. وفي النهاية، نجح السيد ألتمان في التفوق على السيد ماسك، الذي غادر الشركة لاحقًا.
وبعد أن أصبح السيد ألتمان في سدة القيادة، أمّن شراكة مع شركة مايكروسوفت للحصول على التمويل اللازم “لعقيدته في التوسع”. ثم جاء الإطلاق المفاجئ لنموذج تشات جي بي تي ChatGPT، الذي تم التعجيل به في غضون أسبوعين فقط. وقد أدى ذلك إلى تصاعد الصراع الداخلي بين أنصار السلامة وأنصار المنتج، وبلغت ذروتها في محاولة انقلاب فاشلة. لقد رسخت عودة السيد ألتمان سيطرته – وسرعان ما بدأت الخطط لتفكيك الرقابة التي تفرضها المنظمة غير الربحية بشكل نهائي.
نبذة مختصرة عن المؤلف:
دخلت السيدة كارين هاو (Karen Hao) إلى عالم الإعلام عبر بوابة وادي السيليكون (Silicon Valley)، حيث برزت كصحفية وكاتبة حائزة على جوائز، ومتخصصة في تغطية قضايا الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence). وكانت أول صحفية تُعدّ تحقيقًا معمّقًا عن شركة أوبن إيه آي (OpenAI)، كما ألّفت كتاب «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي» (Empire of AI) الصادر عن دار بنغوين برس (Penguin Press) في 20 مايو 2025، والذي دخل فور صدوره قائمة نيويورك تايمز للأكثر مبيعًا (The New York Times Best Sellers).
تعمل السيدة كارين هاو ككاتبة مستقلة مع منصات إعلامية بارزة مثل مور بيرفكت يونيون (More Perfect Union) وذا أتلانتيك (The Atlantic)، كما شاركت في تأسيس برنامج سلسلة تسليط الضوء على الذكاء الاصطناعي (AI Spotlight Series) التابع لـ مركز بوليتزر (Pulitzer Center)، وهو برنامج يدرّب آلاف الصحفيين حول العالم على تغطية قضايا الذكاء الاصطناعي بمهنية وعمق.
وفي مراحل سابقة من مسيرتها المهنية، عملت مراسلةً في صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal)، حيث غطّت شركات التكنولوجيا الأميركية والصينية، كما شغلت منصب محررة أولى لشؤون الذكاء الاصطناعي في مجلة إم أي تي تكنولوجي ريفيو (MIT Technology Review). وكانت زميلة في كل من برنامج هارفارد للتكنولوجيا والسياسات العامة (Harvard Technology and Public Purpose Program)، وبرنامج نايت للصحافة العلمية في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT Knight Science Journalism Program)، إضافة إلى شبكة مساءلة الذكاء الاصطناعي التابعة لمركز بوليتزر (Pulitzer Center’s AI Accountability Network).
وفي عام 2025، اختارتها مجلة تايم (TIME) ضمن قائمة TIME100 AI وهي قائمة سنوية تصدرها مجلة تايم (TIME)الأميركية، وتضم أكثر من مئة شخصية تُعدّ من الأكثر تأثيرًا في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. وتسلّط هذه القائمة الضوء على الأفراد الذين يسهمون بشكل فاعل في تشكيل مستقبل التقنية، سواء من حيث التطوير والابتكار، أو التأثير المجتمعي، أو صياغة السياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وكتبت عنها المجلة: «لقد أصاب كتاب إمبراطورية الذكاء الاصطناعي وترًا ثقافيًا حساسًا منذ لحظة صدوره… وتسهم السيدة هاو بشكل جوهري في تشكيل فهم الجمهور للشركة التي تقف في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي».
كما حازت أعمالها جائزة الإعلام الإنساني الأمريكية (American Humanist Media Award) عام 2024، والجائزة الوطنية الأمريكية للمجلات (National Magazine Award) عام 2022 عن فئة «الإنجاز المتميز للصحفيين دون سن الثلاثين». أما نشرتها الأسبوعية السابقة الخوارزمية (The Algorithm) فقد اختارتها جوائز ويبي (Webby Awards) عام 2018 ضمن أفضل النشرات الإخبارية على الإنترنت.
وقد استُشهد بأعمالها في الكونغرس الأمريكي (U.S. Congress) في عدة مناسبات، وأُدرجت ضمن مناهج جامعية، كما تحولت بعض أعمالها إلى معارض في متاحف. وهي تلقي محاضرات بانتظام حول الذكاء الاصطناعي والصحافة في مختلف أنحاء العالم، وتشغل عضوية مجلس الاستشارات الخاص بالذكاء الاصطناعي في كلية كريغ نيومارك للدراسات العليا في الصحافة (Craig Newmark Graduate School of Journalism).
وفي مرحلة سابقة من حياتها المهنية، عملت مهندسة تطبيقات في أول شركة ناشئة خرجت من مختبر جوجل إكس (Google[x]). وتحمل درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية (Mechanical Engineering)، مع تخصص فرعي في دراسات الطاقة (Energy Studies) من معهد ماساتشوستس للتقنية (Massachusetts Institute of Technology – MIT).
بارك الله فيك أخي العزيز أبا أحمد على هذه المدونة الرائعة والثرية ، وهذه الإضافات المعرفية العميقة التي تضيفها للمكتبة العربية والعقل العربي.
إنك بهذه الجهود البحثية وهذه الالتقاطات المعرفية لتقدح في العقل العربي شرارة الشغف والبحث عن المزيد مما ينير طريقه ويوسع مداركة ويرفع وعيه لما يدور من حوله في العالم .
شكراً من أعماق القلب لك ولجهودك المخلصة ، وفقك الله للاستمرار في هذا العطاء ياصديقي الجميل 💐
العزيز والأمير ابا علي
بارك الله فيكم على هذا المرور الجميل، وتعليقكم الأجمل والأقرب إلى القلب..
كلماتكم الصادقة تبعث على التحفيز والدافع، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لمزيد من العطاء والخير..
ممتنٌّ كثيرًا لدعواتكم الطيبة ومشاعركم النبيلة التي نعتز بها ونقدّرها كثيرا ونسأل الله أن نكون عند حسن ظنكم..
حفظك الله ورعاك يارب 🤲