ومضات معرفية من كتاب ” البروتين: وصناعته كالنجم الساطع (سوبر ستار) في عالم التغذية”
ترجمة وبتصرف: عبدالله سلمان العوامي
تاريخ نشر الترجمة: ٦ مايو ٢٠٢٦م
تاريخ نشر الكتاب: ١٠ مارس ٢٠٢٦، متوفر بالغلاف المقوى والغلاف الورقي.
المؤلفان: السيدة سامانثا كينج Samantha King، والسيد غافن ويدون Gavin Weedon، نبذة مختصرة عن سيرتهما الذاتية تجدها في الصفحة الأخيرة.
اسم الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية:
البروتين: وصناعته كالنجم الساطع في عالم التغذية
Protein: The Making of a Nutritional Superstar
المصدر: منصة الوميض Blinkist
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون Amazon:
يستكشف كتاب “البروتين (Protein)” الهوس المعاصر بهذا النجم الغذائي الساطع، متتبّعاً مساره عبر الأنظمة الغذائية (Food Systems) وثقافات اللياقة البدنية (Fitness Cultures)، في رحلة تُقوّي بعض الأجساد والبيئات على حساب أمور أخرى.
البروتين موجود في كل مكان؛ حيث يُشاد به باعتباره بانياً للعضلات، ومعجزة لفقدان الوزن، وإكسيراً لمكافحة الشيخوخة، والحل الشامل لكل شيء بدءاً من التعافي بعد التمرين وصولاً إلى سوء التغذية العالمي.
في هذا الكتاب، يُجادل المؤلفان السيدة سامانثا كينغ (Samantha King) والسيد غافين ويدون (Gavin Weedon) بأن صعود البروتين إلى مرتبة النجومية الغذائية (Nutritional Superstardom) لا يرتبط بالدرجة الأولى باحتياجات الإنسان الغذائية (Dietary Needs)، بقدر ما يرتبط بالكيفية التي وُظِّفت بها خصائصه المرنة والمرتبطة لخدمة أغراض تجارية وعلمية واجتماعية.
وعبر تتبّع مساره من علم الكيمياء الحيوية (Biochemistry) في القرن التاسع عشر (Nineteenth Century) حتى المكانة التي يحتلها اليوم، يكشف المؤلفان كيف جرى تسويق البروتين علاجاً للجوع العالمي (Global Hunger)، وإعادة تغليفه بديلاً وصديقاً للبيئة (Eco-Friendly) عن اللحوم، وتوظيفه رمزاً للرجولة (Masculinity) في صناعة اللياقة البدنية. ومن نفايات مصل اللبن في الزراعة الصناعية إلى أدوية طول العمر للأجسام الهرمة، يفكك كتاب “البروتين” الأساطير الكامنة وراء هذا العناصر الغذائية الكبرى، ويُشكّك فيما نظنه معرفةً راسخة عن الغذاء والصحة والقوى التي تُشكّل أنظمتنا الغذائية (Diets).
المحتوى التالي هو ترجمة للنص الإنجليزي في منصة الوميض Blinkist. وهو مكون من مقدمة وخلاصة نهائية بالإضافة الى ٦ ومضات معرفية. وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب:
المقدمة – اكتشف السياسات الخفية وراء مخفوق البروتين الذي تتناوله بعد التمرين.
ادخل إلى أي صالة ألعاب رياضية، أو متجر بقالة، أو صيدلية، وستواجه الرسالة نفسها الملصقة على العبوات، والقوالب، والأغلفة. ما هي هذه الرسالة؟ البروتين. إنه في كل مكان، ويُسوق له باعتباره بانياً للعضلات، وحلاً لفقدان الوزن، وإكسيراً لمكافحة الشيخوخة، وعلاجاً للجوع العالمي.
حتى الجيل الأحدث من البرغر النباتي يضمن بفخر، وبخط عريض: “20 جراماً من البروتين النباتي لكل حصة” — وكأن كلمة “بروتين” وحدها ضمانة للصحة والفضيلة والاستدامة.
هل توقّفت يوماً لتتساءل: لماذا؟ لماذا يحظى البروتين دون الدهون (Fat) أو الكربوهيدرات(Carbohydrates) أو سواها من العناصر الغذائية بهذه الهالة المقدسة (Halo Effect)؟ ومن يستفيد تحديداً من هوسنا الجماعي هذا؟
والمفاجأة أن المكانة الثقافية الاستثنائية للبروتين لا علاقة لها تقريباً باحتياجاتك الغذائية (Dietary Needs)، بل كل العلاقة بالتجارة(Commerce) والأيديولوجيا (Ideology) والسلطة (Power).
في هذه “الومضات المعرفية”، ستكتشف كيف أصبح البروتين العنصر الغذائي الأكثر احتفاءً في العالم، متتبعاً صعوده من مختبرات الكيمياء الحيوية في القرن التاسع عشر إلى الرفوف المكدسة بالمكملات الغذائية اليوم. ستتعلم كيف تم استخدام البروتين كسلاح لخدمة أجندات التنمية الاستعمارية، وكيف أعيد تقديمه كحل صديق للبيئة لأزمة المناخ، وكيف استُخدم كرمز للرجولة في أحلك زوايا الفضاء الرقمي.
الومضة الأولى – الحقيقة عن البروتين
حين تسمع كلمة “بروتين (Protein)”، يتبادر إلى ذهنك على الأرجح ملعقة المسحوق التي تُضيفها إلى مشروبك بعد التمرين، أو ربما قطعة من اللحم أو التوفو (Tofu). لكن ما هو البروتين في حقيقته؟
صاغ الكيميائي الهولندي السيد “غيراردوس يوهانس مولدر” (Gerardus Johannes Mulder) مصطلح “بروتين” في عام 1838، من الكلمة اليونانية (proteios)، والتي تعني “الأولي” أو “الأساسي”. وكان السيد مولدر يعتقد أنه اكتشف مادة أساسية واحدة تقع في صميم الحياة والتغذية.
غير أن منافسه الألماني (German) السيد يوستوس فون ليبيغ (Justus von Liebig) اختلف معه في الرأي. فقد شارك السيد ليبيغ مولدر اعتقاده بأن البروتين عنصر أساسي، لكنه جادل بأنه ليس جزيئاً واحداً مستقراً، بل هو صنف واسع من المواد المتشابهة والمرتبطة ببعضها البعض. وبمعنى ما، كان كلاهما على حق. فالبروتين (Protein) أساسيٌّ للحياة فعلاً، إذ يحتاج جسم الإنسان(Human Body) إلى تسعة أحماض أمينية (Amino Acids) لا يستطيع الحصول عليها إلا من الغذاء.
لكن “البروتين (Protein)” ليس شيئاً واحداً. فهو عائلة واسعة ومتغيّرة من المواد المصنوعة من سلاسل الأحماض الأمينية(Amino Acids). تُسهم البروتينات في منح الخلايا (Cells) بنيتها، ونقل المواد، وإرسال الإشارات (Signals)، وتسريع التفاعلات الكيميائية (Chemical Reactions)، وغير ذلك كثير. ومع ذلك، يظل كثير من طبيعة البروتين لغزاً غامضاً. فقد رصد العلماء (Scientists) نحو مئتَي مليون بروتين في الطبيعة، لكن أقل من 200,000 منها فقط تم رسم خرائط بنيتها بالكامل. ونحو أربعين بالمئة من البروتينات المُشفَّرة في الجينوم البشري (Human Genome) لا تزال وظائفها مجهولة.
فكيف إذن تحوّلت هذه العائلة المتشكّلة من الجزيئات إلى نجمة العرض الغذائي؟ يعود الجواب إلى السيد ليبيغ (Liebig). فقد قادته دراساته إلى استنتاج أن البروتين، ولا سيما من اللحوم، هو العنصر الغذائي الأساسي الوحيد حقاً، فيما لا تؤدي الدهون (Fats) والكربوهيدرات (Carbohydrates) إلا دوراً مسانداً وثانوياً فقط. وعلى الرغم من أن نظريته ثبت خطؤها في نهاية المطاف، فقد رسخت الفكرة في الأذهان، مدفوعةً بدور السيد ليبيغ بوصفه رجل أعمال (Entrepreneur) ومُروِّجاً (Propagandist). فقد أسّس ما يعدّه بعضهم أول شركة غذائية عالمية (Global Food Company) في التاريخ: منشأة لإنتاج مستخلص لعصارة اللحم البقري (Beef Extract). وعلى الرغم من أن هذا المستخلص لم يكن يحتوي على كميات تُذكر من البروتين الفعلي، فقد سُوِّق منشّطاً للجنود وحلاً للاحتياجات الغذائية (Nutritional Needs) للطبقة العاملة الصناعية (Industrial Working Class) في أوروبا(Europe).
وكانت أفكار السيد ليبيغ متشابكة تشابكاً عميقاً مع السياسات العنصرية والاستعمارية (Colonial Politics) في عصره. إذ صُوِّر الاستهلاك المرتفع للبروتين الحيواني (Animal Protein) علامةً على القوة والتفوق، ووُظِّف مسوّغاً لتوسيع الزراعة الاستعمارية(Colonial Agriculture) وتصوير الثقافات غير الآكلة للحوم (Non-Meat-Eating Cultures) بوصفها ثقافات مريضة ومتخلفة. وقد كانت الفجوة بين الحقيقة العلمية (Scientific Reality) والخطاب الغذائي (Nutritional Messaging) حاضرةً منذ البداية. ففي عام 1974، نشر باحث طبي (Medical Researcher) يُدعى السيد دونالد ماكلارن (Donald McLaren) مقالاً في المجلة الطبية المرموقة لانسيت (The Lancet) أسماه “المهزلة الكبرى للبروتين (The Great Protein Fiasco)”.
الومضة الثانية – “المهزلة الكبرى للبروتين”
كان ذلك حكماً مدمِّراً على واحدة من أكثر الأخطاء تكلفةً وتبذيراً وأثراً في تاريخ علم التغذية (Nutrition Science). تبدأ القصة في مطلع القرن العشرين (Twentieth Century)، حين بدأ المسؤولون الاستعماريون (Colonial Administrators) في أفريقيا (Africa) يحوّلون تركيزهم من المجاعة إلى “جودة” الأنظمة الغذائية للسكان المحليين. ولم يكن الدافع الكامن إنسانياً، بل اقتصادياً بامتياز. فالقوى العاملة التي تتغذى جيداً هي قوى عاملة منتجة، وكان المسؤولون الاستعماريون حريصين على استخلاص أقصى ما يمكنهم من العمالة.
قدم علم التغذية إطاراً ملائماً لذلك. جاءت نقطة التحول الرئيسية عندما بدأت طبيبة الأطفال البريطانية السيدة “سيسلي ويليامز” (Cicely Williams)، التي كانت متمركزة في غانا Ghana الحالية، بتوثيق مرض هزال غامض لدى الأطفال يُعرف محلياً باسم “كواشيوركور” (kwashiorkor). ولاحظت السيدة ويليامز بصفة مبدئية أن نقص البروتين قد يكون له دور في ذلك — فالتقطت المؤسسة الطبية الاستعمارية هذا الخيط، معلنةً أن العالم النامي يواجه “أزمة بروتين”. ثبت أن هذا التأطير كان قوياً ومضللاً في آن واحد؛ فبدلاً من إرجاع سوء التغذية إلى الفقر، وأنظمة الغذاء المعطلة، والاستغلال الاستعماري، تعامل الباحثون وصناع القرار مع البروتين باعتباره المشكلة المحورية. وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مؤسسات مثل منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) بالاستثمارات الضخمة في حل ما سُمي بـ “فجوة البروتين” (protein gap).
وقد أفضى هذا النهج إلى نتيجة جانبية ملائمة للحكومات الغربية (Western Governments): إذ منحها مسوّغاً لتصدير فوائض منتجاتها الزراعية (Agricultural Products)، كالحليب المجفف (Dried Milk)، تحت راية المساعدات الغذائية(Nutritional Aid). ومع اكتساب هذه السردية زخماً متصاعداً، أفرزت حلولاً بالغة الغرابة. فقد موّلت الوكالات الدولية(International Agencies) تطوير أغذية رخيصة عالية البروتين (High-Protein Foods)، من الميكروبات المُزرَّعة في الزيت إلى مركّزات بروتين السمك (Fish-Protein Concentrates) والطحالب (Algae) المُزرَّعة في مياه الصرف الصحي(Sewage). وكانت هذه المنتجات بغيضة الطعم وغير مستساغة ورُفضت على نطاق واسع. ومع ذلك، ظل الافتراض الجوهري، أن نقص البروتين (Protein Deficiency) هو الأزمة الغذائية (Nutritional Crisis) المحورية، بمنأى عن أي تشكيك جدي.
ولم تبدأ هذه القواعد بالتصدع إلا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. فقد أثبت الباحثون في “الجنوب العالمي”، إلى جانب عدد قليل من العلماء الغربيين، أن السكان الذين يعانون من سوء التغذية لم يكن ينقصهم البروتين بقدر ما كانت تنقصهم السعرات الحرارية. فالأنظمة الغذائية الكافية من حيث الطاقة كانت بشكل عام كافية من حيث البروتين؛ بعبارة أخرى، “فجوة البروتين” لم يكن لها وجود. لقد تشكلت الأبحاث بفعل الزخم المؤسسي وتمويل المنح أكثر مما تشكلت بناءً على الأدلة الفعلية.
وجاء مقال السيد “ماكلارين” لبلورة هذا الإدراك المؤلم؛ فقد أُهدرت موارد هائلة في الاتجاه الخاطئ، فيما ظلّت الأسباب الحقيقية لسوء التغذية، وهي الفقر (Poverty) واللامساواة (Inequality)، دون معالجة كافية.
الومضة الثالثة – رحلة مصل اللبن
في كل يوم، تُنتج منشأة كبرى لمعالجة الجبن (Cheese-Processing Plant) ما يزيد على مليون لتر من مصل اللبن السائل (Liquid Whey)، تلك المادة الشاحبة الغنية بالبروتين (Protein-Rich) ذات رائحة نفاذة للغاية، التي كانت تُعامَل في السابق على أنها نفايات. أما اليوم، فمصل اللبن (Whey) في كل مكان: في مشروبات البروتين (Protein Shakes) والأشرطة الغذائية(Bars) والزبادي (Yogurts) وحتى البيرة (Beer). فكيف انتقل مصل اللبن من ملوّث سام (Toxic Pollutant) إلى نجم ساطع في عالم التغذية (Nutritional Superstar)؟
تبدأ القصة مع الحليب (Milk). فخلال الحرب العالمية الثانية (World War II)، رفع مزارعو الألبان الأمريكيون (American Dairy Farmers) إنتاجهم لتغذية الجنود في الخارج. وما إن انتهت الحرب حتى وجدوا أنفسهم فجأة أمام فوائض ضخمة(Enormous Surpluses) عجز السوق عن استيعابها. فتدخّلت الحكومة باتخاذ جملة من الإجراءات، من بينها قانون عام 1946 والذي يفرض إدراج الحليب في كل وجبة غداء مدرسية (School Lunch). غير أن استهلاك الحليب المحلي (Domestic Milk Consumption) واصل تراجعه. واستجابة لذلك، تحولت صناعة الألبان نحو إنتاج الأجبان — وهي خطوة أثبتت نجاحاً هائلاً. وبحلول عام 2016، أصبح الأمريكيون يستهلكون ما يقرب من ثلاثة أضعاف كمية الجبن التي كانوا يستهلكونها في عام 1970.
والمشكلة أن إنتاج الجبن يُولّد كميات هائلة من سائل مصل اللبن (Whey) المتبقي. فلكل كيلوغرام من الجبن المُنتَج، يتبقى تسعة لترات من مصل اللبن. وفي البداية، لم يكن ثمة حل لهذا الفائض سوى إلقائه في المجاري المائية (Waterways). وكانت النتائج كارثية بيئياً. إذ يبلغ تأثير مصل اللبن (Whey) نحو مئة وخمسة وسبعين ضعفاً من تأثير مياه الصرف الصحي البشري (Human Sewage) غير المعالجة، نظراً لاحتوائه على نسبة نيتروجين (Nitrogen) عالية للغاية. مما أسفر عن نفوق جماعي للأسماك(Fish Kills)، وتلوث التربة (Soils)، واختناق المجاري المائية بالنمو العشوائي للنباتات.
طالب نشطاء البيئة، ومن ثم الحكومات، باتخاذ إجراءات حازمة؛ فالتفتت صناعة الألبان إلى مهندسيها وعلماء الأغذية لديها. ما تبع ذلك كان موجة من الابتكار التقني والعلمي في ترشيح وتركيز وتجفيف مصل اللبن السائل وتحويله إلى مسحوق مستقر يمكن تخزينه وشحنه واستهلاكه بشرياً. تحب صناعة الألبان صياغة هذا التحول كقصة نجاح وانتصار، وهذا صحيح بمعايير ضيقة؛ فمسحوق بروتين مصل اللبن غني فعلياً بالأحماض الأمينية التي يحتاجها الجسم، ويتم تمثيله غذائياً بسرعة.
لكن هذه السردية تُخفي ايضا شيئاً مهماً: فالجسم لا يستطيع استخدام إلا قدر محدود من البروتين (Protein) في آنٍ واحد، والزائد يُطرح على شكل يوريا (Urea)، وهو مركّب غني بالنيتروجين (Nitrogen) يعود إلى المنظومات المائية (Water Systems). وبعبارة أخرى، المادة ذاتها المكثّفة بالنيتروجين التي كانت تُسمّم الأنهار في سبعينيات القرن الماضي لا تزال تتدوّر في المنظومات المائية حتى اليوم. فالعبء البيئي (Ecological Burden) لمصل اللبن لم يُقضَ عليه، بل أُعيد توجيهه عبر عملية الأيض البشري (Human Metabolism).
الومضة الرابعة – فقر اللحم (Poverty of Flesh)
في ندوة أُقيمت في ولاية نيو مكسيكو (New Mexico) عام 1988، أعلن أستاذ التغذية (Nutrition Professor) السيد إيروين روزنبرغ (Irwin Rosenberg) عمّا رآه واحدة من أكثر المشكلات إهمالاً في الطب: الفقدان التدريجي لكتلة العضلات (Muscle Mass) لدى كبار السن. وأطلق على هذه الحالة اسم ساركوبينيا (Sarcopenia)، مشتقاً من اليونانية (Greek) بمعنى “فقر اللحم(Poverty of Flesh)”، ودعا إلى إيلائها الاهتمام العلمي الجاد ذاته الذي يُولى لهشاشة العظام (Osteoporosis) وأمراض القلب (Heart Disease). وسرعان ما ترسّخت الفكرة ولاقت قبولا. إذ أثبت عصر الليبرالية الجديدة (Neoliberalism) المتصاعد، بتركيزه على المسؤولية الفردية (Individual Responsibility) تجاه الصحة، أنه تربة خصبة لاستقبالها.
وهكذا وُلدت فئة طبية جديدة كلياً، إلى جانب سوق بمليارات الدولارات. غير أن العلم الداعم لساركوبينيا (Sarcopenia) لم يكن يوماً بالصلابة التي توحي بها مكانته الثقافية. فكتلة العضلات (Muscle Mass) تبلغ ذروتها طبيعياً في مرحلة البلوغ المبكر ثم تتراجع مع الوقت، وهذه سمة شاملة للشيخوخة (Aging)، وليس مرضا بالضرورة. وتُشير مراجعات علمية كبرى إلى أن ساركوبينيا(Sarcopenia) تفتقر إلى معايير تشخيصية (Diagnostic Criteria) متفق عليها أو علاجات مُثبَتة، وخلص مقال نُشر عام 2022 في المجلة الطبية البريطانية (British Medical Journal) إلى عدم وجود دليل على أن تشخيص ساركوبينيا(Sarcopenia) يُحسّن نتائج الصحة (Health Outcomes). وعلى الرغم من هذه الضبابية العلمية، باتت ساركوبينيا بالغة الإنتاجية، علمياً وتجارياً على حدٍّ سواء.
بلغت قيمة سوق التغذية لكبار السن (Senior Nutrition Market) أكثر من ثلاثة وعشرين مليار دولار عام 2022، إذ يستأثر البروتين (Protein) بنحو أربعين بالمئة من الطلب حسب نوع العنصر الغذائي. والمنتجات التي كانت تُستخدم في الأصل في المستشفيات (Hospitals) لمرضى سوء التغذية (Malnourished Patients)، مثل منتج “بوست (Boost)” من شركة نستله(Nestlé) ومنتح “إنشور (Ensure)” من شركة أبوت (Abbott)، باتت تُسوَّق اليوم بقوة لكبار السن من الأصحاء. ويستخدم الباحثون (Researchers) الدراسات لتبرير الحصول على مزيد من التمويل، غير أن المؤسسات الممولة كثيراً ما تمتلك حصصاً مالية مباشرة في الحلول القائمة على البروتين (Protein Based Solutions) الموصى بها. ففي دراسة واسعة الاستشهاد، على سبيل المثال، حسب أصحابها أن ساركوبينيا (Sarcopenia) تُكلّف منظومة الرعاية الصحية (Health-Care System) الأمريكية ما يزيد على أربعين مليار دولار سنوياً في تكاليف الاستشفاء (Hospitalizations)، وأن خفض معدل انتشارها بنسبة عشرة بالمئة قد يوفّر أكثر من مليار دولار سنوياً.
وكان المؤلف الرئيسي لهذه الدراسة مُدرَجاً مديراً في شركة أبوت للتغذية (Abbott Nutrition)، الجهة المصنّعة لمنتج إنشور(Ensure). وما يضيع في خضم هذا كله هو كل ما لا يندرج ضمن إطار التراجع الفردي (Individual Decline) والتدخل الفردي (Individual Intervention). إذ يرى علماء الاجتماع المختصون بمرض الشيخوخة (Social Gerontologists) أن طريقة شيخوختنا تتشكّل بدرجة أكبر بكثير من خلال:
- الأمان المالي (Financial Security) و
- الروابط الاجتماعية (Social Connection) و
- الحصول على غذاء جيد (Good Food) و
- جودة منظومات الرعاية (Care Systems).
- وليس من خلال نظام المكملات الغذائية (Supplement Regimen) لأي فرد.
وساركوبينيا (Sarcopenia) تُختزل هذا التعقيد كله في مشكلة كيميائية حيوية (Biochemical Problem) ذات حل غذائي مربح.
الومضة الخامسة – البروتين في عالم الذكورة الرقمية
حين يريد السيد أوبري ماركوس (Aubrey Marcus) أن يُلهم متابعيه، لا يتحدث عن “التمرين (Exercise)”. يقول: “التمرين للجراء والأطفال الرضّع”. ما يصفه بدلاً من ذلك هو التدريب (Training) والتحسين الذاتي (Optimization) والسيادة على النفس (Sovereignty)، مع مجموعة مُنتقاة بعناية من المكملات الغذائية (Supplements) لتغذية ذلك كله. والسيد ماركوس شخصية محورية فيما يمكن تسميته “عالم الذكورة العضلية” (Muscular Manosphere)، ذلك النظام الرقمي المترامي لمُرشدي اللياقة البدنية (Fitness) وتطوير الذات للرجال.
وهذه الثقافة محرّك رئيسي لصناعة مكملات البروتين (Protein Supplement Industry) التي تبلغ قيمتها واحداً وعشرين مليار دولار عالمياً، يستأثر فيها الرجال بسبعين بالمئة من المبيعات. لكن لفهم دور البروتين هنا، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، إلى الأيديولوجيا (Ideology)، أي ما يمثّله البروتين للرجال الذين يستهلكونه. وفي جوهره، يُشيَّد عالم الذكورة العضلية(Muscular Manosphere) على سردية مفادها أن الرجولة (Masculinity) تتعرض للتهديد. إذ يُؤطّر أبرز أصواته أنظمة اللياقة والمكملات الغذائية الخاصة بهم باعتبارها استجابة لتآكل الرجولة التقليدية (Traditional Manhood). وتتباين الأعداء بحسب المتحدث، لكن الحل يبقى ثابتاً: تملك زمام جسدك، تدرب بقوة، تناول غذاءً صحيحاً، واشترِ المنتجات المناسبة. وكثير من أبرز وجوه عالم الذكورة الرقمي (Manosphere)، مثل السيد أليكس جونز (Alex Jones) والسيد جو روغان (Joe Rogan)، يجنون أرباحاً من شركات مكملات غذائية تُقدَّر بمئات الملايين.
يتداول البروتين (Protein) عبر هذه الشبكة بوصفه لغة مشتركة، تربط المشاركين من خلال طقوس مشتركة من التدريب(Training) وتحسين الذات (Self-Optimization). وفي صورته المسحوقة، المُجرَّدة من أصولها المرئية، يبدو نقياً وفعّالاً وقابلاً للتحكم، الوقود المثالي للفرد الموجِّه لنفسه. إنه يعِد بالتحوّل (Transformation): تناوله وتدرّب بجدية، وسيتحسّن جسدك؛ توقف، وسيتراجع التقدم. وهذه الدورة تعكس أيديولوجيا (Ideology) أشمل قائمة على تحسين الذات المستمر (Perpetual Self-Improvement). والسياسة الكامنة في هذه الثقافة نادراً ما تكون صريحة، إذ كثيراً ما يُبعد المؤثرون (Influencers) أنفسهم عن التصنيفات السياسية الصريحة. لكن القيم التي يُروّجون لها تحكي قصة أوضح.
يبرز هنا مفهوم “الفاشية الدقيقة” (Microfascism) للمنظر الثقافي السيد “جاك براتيتش” (Jack Bratich) كأداة مفيدة. يجادل السيد براتيتش بأنه مع دخول الليبرالية الجديدة في أزمة، فإنها تولد تشكيلات ثقافية مبنية حول أوهام خلق الذات الذكورية، والسيادة، والتجديد. هذه التشكيلات لا تعلن عن نفسها دائماً كحركات سياسية، لكنها تحمل منطق الهيمنة الأبوية في بنيتها. وينطبق هذا الوصف بدقة على “عالم الذكورة العضلية “. فمعظم المستهلكين لا يتبنون أيديولوجية هذا العالم بوعي، ولكن عندما تحمل الخوارزميات نفسها التي تقدم نصائح التمرين رسائل أوسع حول الهوية والسلطة، يصبح من الصعب بشكل متزايد الفصل بين ما هو غذائي وما هو سياسي.
الومضة السادسة – مستقبل البروتين
في عام 2024، مررت الهيئة التشريعية في ولاية فلوريدا Florida Legislature قانوناً يحظر بيع اللحوم المستزرعة مخبرياً. وفي العام نفسه، حرص مرشح جمهوري في ولاية مونتانا Montana على وسم عجل بالعلامة التجارية خلال حملته الانتخابية. كما جادل كتاب حقق أفضل المبيعات بعنوان “خيار بيض بينيديكت” (The Eggs Benedict Option) بأن البروتين الحيواني ضروري للدفاع عن الحضارة الغربية ضد النسوية والعولمة. لقد تم تجنيد البروتين رسمياً في “الحرب الثقافية”.
وهذا التحوّل الغريب يعكس مرونة البروتين (Protein) الاستثنائية بوصفه فكرة. فهو يمكن أن يرمز إلى القوة أو النقاء أو التقليد أو الابتكار أو البقاء، تبعاً لمن يستحضره. واليوم يقف في صميم رؤيتين متنافستين للمستقبل. فمن جهة، ثمة شعبوية تضع اللحوم في المرتبة الأولى (Meat-First Populism) تتعامل مع لحم البقر (Beef) باعتباره رمزاً للحرية والرجولة (Masculinity) والهوية الوطنية (National Identity). ومن جهة أخرى، ثمة مستقبلية البروتين البديل (Alternative-Protein Futurism) المتأثرة بوادي السيليكون (Silicon Valley) التي تُروّج للحوم المُزرَّعة في المختبر (Lab-Grown Meat) وبروتين الحشرات(Insect Protein) حلولاً للانهيار البيئي (Environmental Collapse). والهوة الأيديولوجية (Ideological Gulf) حقيقية، لكن كلا الطرفين يعملان داخل الإطار الجوهري ذاته، الذي يضع البروتين (Protein) في مرتبة العنصر الغذائي الذي لا غنى عنه.
وفي الوقت نفسه، يظل العلم الذي قد يستند إليه هذا الجدل غير مستقر؛ فإلى الآن لا يوجد إجماع واضح حول كمية البروتين التي يحتاجها الناس فعلياً. تجادل مجموعة كبيرة من الباحثين بأن “الكمية اليومية الموصى بها” رسمياً قد تقلل من تقدير احتياجات البروتين بنسبة تصل إلى 50 بالمئة، خاصة لكبار السن. ومع ذلك، تجادل مجموعة لا تقل أهمية بأن المواطن العادي في أمريكا وكندا يستهلك بالفعل كميات كبيرة جداً من البروتين، مما يؤدي إلى عواقب تؤثر على صحة الكلى، ومخاطر الإصابة بالسرطان، والاستدامة البيئية. إن الإجابة الصادقة على سؤال “كم يجب أن أتناول من البروتين؟” هي، وبشكل محبط: “الأمر يعتمد على الظروف”. هذا الاستنتاج لا يرضي أحداً، ولا تملك صناعة المكملات الغذائية أي مصلحة في الترويج له.
وفي الختام، فإن ما تكشفه سيرة البروتين الممتدة لقرنين من الزمان هو أن قوته الثقافية لم تكن يوماً تتعلق بالتغذية في المقام الأول؛ بل كانت تتعلق بالنمو — نمو الأجساد، والاقتصاديات، والإمبراطوريات، والأسواق — وبالوعد بالسيطرة. ومع زيادة حالة عدم اليقين في العالم، يُطلب من البروتين أن يقدم شيئاً ملموساً للتمسك به، كمكمل لذات مستقرة في عالم غير مستقر. أما مسألة قدرته على الوفاء بهذا الوعد فهي شأن آخر تماماً. إن الفائدة الرئيسية من هذه “الومضات المعرفية” لهذا الكتاب هي أن الأهمية الثقافية للبروتين لا علاقة لها بعلوم التغذية الواضحة بقدر ما تتعلق باستخداماته السياسية والاقتصادية والأيديولوجية المتغيرة.
الخلاصة النهائية
على مدى التاريخ، جرى تفسير البروتين (Protein) بصورة خاطئة مراراً، وتحويله إلى سلعة تجارية (Commercialized)، وتوظيفه سلاحاً في معارك متعددة، من سياسات التغذية الاستعمارية (Colonial Nutrition Policy) ونفايات الصناعة الغذائية (Industrial Food Waste)، إلى هواجس الشيخوخة (Aging Anxieties) وثقافة اللياقة البدنية (Fitness Culture) وعالم الذكورة الرقمي (Manosphere). وفي الوقت ذاته، يظل العلم الجوهري (Underlying Science) غير محسوم وكثيراً ما يكون موضع جدل. وما يبقى ثابتاً هو القوة الرمزية (Symbolic Power) للبروتين: فكرة مرنة وقابلة للتسويق (Marketable)، تَعِد بالقوة والسيطرة (Control) والتحسين المستمر (Optimization) في عالم يتسم بعدم الاستقرارواللامساواة (Inequality) والرؤى المتنافسة للمستقبل.
نبذة مختصرة عن المؤلفة السيدة سامانثا كينغ (Samantha King)
تُعدّ السيدة سامانثا كينغ (Samantha King) أستاذةً مرموقة في تخصص علم الحركة (Kinesiology) ودراسات الصحة (Health Studies) بجامعة كوينز (Queen’s University) في مدينة كينغستون (Kingston) بمقاطعة أونتاريو (Ontario) في كندا Canada.
وقد حصدت مسيرتها الأكاديمية العديد من التقديرات؛ حيث نالت عدة جوائز عن مقالاتها المتميزة من الجمعية الأمريكية الشمالية لعلم اجتماع الرياضة (North American Society for the Sociology of Sport). كما كُرّمت بجائزة الجامعة للتميز في الإشراف على الدراسات العليا (Graduate Supervision)، تقديراً لدورها في توجيه الباحثين.
ومن أبرز إسهاماتها الثقافية والعلمية كتابها الشهير “شركة الشرائط الوردية” (Pink Ribbons, Inc.)، الذي قدّمت فيه تحليلاً نقدياً لقضايا سرطان الثدي (Breast Cancer). ونظراً لأهمية الأفكار التي طرحها الكتاب، فقد تم تحويله إلى فيلم وثائقي (Documentary Film) يحمل العنوان نفسه، من إنتاج المجلس الوطني للأفلام (National Film Board).
نبذة مختصرة عن المؤلف السيد غافين ويدون (Gavin Weedon)
يشغل السيد غافين ويدون (Gavin Weedon) درجة أستاذ مشارك (Associate Professor) في تخصصات علم اجتماع الرياضة (Sociology of Sport)، والصحة والجسد (Health and the Body) بجامعة نوتنغهام ترينت (Nottingham Trent University). وإلى جانب مهامه الأكاديمية، يتولى السيد ويدون رئاسة مجموعة أبحاث الرياضة والمجتمع (Sport and Society Research Group).
وقد حظي بتقدير دولي رفيع، حيث توج بـ جائزة الباحث الشاب (Young Researcher Award) الممنوحة من قِبل الجمعية الأوروبية لعلم اجتماع الرياضة (European Society for the Sociology of Sport) في عام 2019. كما تعززت مكانته البحثية في عام 2022 بتعيينه زميلاً (Fellow) في مؤسسة البحث الاجتماعي المستقل (Independent Social Research Foundation).