عمي جمال في ذمة الله

وداعا يا جمال العائلة

مرثية في وداع عمي جمال العوامي

بقلم: عبدالله سلمان العوامي

يوم الاحد ١٢ أكتوبر ٢٠٢٥م

في مساء كل جمعة، ينتقل مجلس أخي الأكبر الموقر “علي السلمان” إلى قبو ابنه حسين، حيث يلتقي أفراد عائلة العوامي في أجواء الألفة والود. وكما جرت العادة، يحضر عمي الراحل جمال بصحبة أخيه فيصل معًا، فلا يكاد يُذكر أحدهما إلا مقرونًا بالآخر. وإذا غاب أحدهما، كان السؤال الطبيعي يتجه إلى الحاضر عن سبب غياب الغائب.

وفي ليلة الجمعة الماضية، لفت انتباهنا غياب العم جمال. وحين سألنا، أخبرنا العم فيصل أنه حاول التواصل معه مرارًا، سواء عبر الاتصال الهاتفي المباشر أو من خلال رسائل “واتساب”، لكنه لم يتلقَّ أي رد. فظن الجميع أنه آوى إلى النوم مبكرًا.

وفي تلك الليلة، كما جرت العادة، تأخرت عن النوم قليلًا، إذ اعتدت أن أقضي بعض الوقت في زيارات ديوانيات الأحبة داخل القرية وخارجها. وعند الثانية بعد منتصف الليل، أخذت أتصفح رسائل “واتساب”، فإذا برسالة من العم فيصل تقول: “أخوي في الإنعاش، ونسألكم الدعاء”. توقفت متفاجئًا أمامها، إذ لم يكن في البال أن يأتيني مثل هذا الخبر المفاجئ بلا مقدمات. تجاهلتها لدقائق أبحث في داخلي عن تفسير، ثم كتبت له دعاءً صادقًا.

ظللت بعدها في حيرة، أتردد بين الاتصال للاستفسار أو التريث على أمل أن يصلني خبر مطمئن. وما هي إلا لحظات حتى ظهرت رسالة ثانية منه تقول: “أخوي راح… أخوي راح”. هنا انهار صبري، فاتصلت مباشرة بالعم فيصل، لأسمع صوته المتهدج وهو يختنق بالبكاء ويخبرني برحيل العم جمال إلى رحمة الله.

كان الموقف صادمًا، مؤلمًا، ومشحونًا بالأسى، كأن اللحظة لا تحتمل ثقلها، وكأن الكلمات لا تكفي لتروي فاجعة الرحيل. إنها لحظات يتوقف فيها الزمن، ويضيق فيها الفؤاد، ويغدو الصمت أبلغ من أي خطاب.

رحمك الله يا عمي يا أبا علي، لقد وفدت على كريم في ليلة الجمعة بتاريخ ١٧ ربيع الثاني والموافق ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥م.

“اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واغفر له، وارحمه، وأكرم نزله، واجمعنا به في مستقر رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.”

من بين الرسائل الكثيرة التي وصلتني بعد رحيل عمّي جمال، اقتبست اثنتين تلخّصان ملامح شخصيته: الأولى تقول: «كان جادًا ولكنه دائم الابتسام»، والثانية تقول: «كان أنيق المظهر متواضع النفس». نعم، هو ذلك وأكثر. فقد جمع بين الجدية في تصرفاته وسلوكياته، وبين ابتسامة لا تفارق محيّاه. وكان يحرص دائمًا على مظهر أنيق يليق به، دون تكلف أو مبالغة، متواضعًا قريبًا من الجميع، يسهل الوصول إليه والحديث معه ببساطة وود.

لقد كان الزوج المخلص، والوالد الرؤوف، والأخ الوفي، والعم الحنون، والخال العطوف. كان رجل المروءة والشهامة والوفاء، تتجسد فيه الأخلاق قبل أن يكتبها في رسائله. وعندما كانت تصلني رسائل صباحية عن الشجاعة أو الأخوة أو الصفات النبيلة، كنت أعلم يقينًا أنها قادمة من عمّي جمال، الذي جسّد تلك القيم واقعًا حيًا في حياته وسلوكه.

كم نفتقد رسائلك الصباحية المميزة التي كانت تحمل لنا عبق المروءة وصفاء الكلمة، وكم نشتاق إلى إطلالتك البهية ولقاءاتك العامرة بالمحبة والود. ومع ذلك، فإن حضورك ما زال متجددًا بيننا عبر أخيك العم فيصل، وعبر أبنائك وأحفادك الكرام، وفي مقدمتهم الدكتور علي، حفظهم الله جميعًا. إنك وإن غبت بجسدك، فإن روحك باقية فينا، تضيء بذكراها طريق القربى والوفاء.

وعندما استرجعنا ذكريات أيامه الأخيرة في الأسبوع الذي سبق رحيله، وجدنا أنفسنا أمام ثلاثة مواقف مميزة تركها لنا، مختلفة في تفاصيلها لكنها متشابهة في عمقها؛ إذ حملت بين طياتها الكثير من العِبر والدروس. لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل شواهد على صفاء روحه، وصدق عطائه، وكأنها رسائل وداعية أراد أن يتركها بين أيدينا قبل أن يرحل.

الموقف الأول: في ليلة الجمعة التي سبقت رحيله بأيام، اجتمعت العائلة كعادتها في قبو ابن الأخ العزيز حسين، وكان الجو مليئًا بالدفء والألفة. لكن تلك الليلة حملت شيئًا مختلفًا في حضور العم جمال؛ فلم يكن هو الرجل الصارم الجاد الذي عرفناه طويلًا، بل بدا إنسانًا آخر، أكثر قربًا ومرحًا. أمطرت العائلة المجلس بالمزاح والنكات، وفي حين اعتدنا منه ابتسامة مقتضبة أو تعليقًا مقتصرًا، إذا به يغمرنا بابتسامة واسعة، وتعليقات مرحة، وروح خفيفة أدهشتنا جميعًا. وكأنه أراد أن يترك لنا صورة أخرى عنه، صورة الأب الحنون الذي يعرف متى يمنح الضحكة مساحة، ليُعلّمنا أن الحياة ليست جدًا دائمًا، وأن الدفء بين الأهل لا يكتمل إلا بروح الدعابة. لقد كان ذلك المشهد استثنائيًا، كأنه رسالة وداع مبطّنة، أراد بها أن يرحل مبتسمًا، ويخبرنا أن الحب يزدهر بالضحكة كما يزدهر بالجد، وأن أجمل ذكرى قد تتركها للناس هي لحظة دفء لا تُنسى.

الموقف الثاني: في يوم الاثنين الماضي، كنا على مائدة غداء في مزرعة العم فيصل. امتلأت الأطباق بالبهارات الحارة، ونحن نعلم معاناة العم جمال الطويلة مع القولون. توقعنا أن يتذمر أو يعتذر، لكنه بصمته الهادئ اكتفى بالقليل، ولم يجعل من مرضه عذرًا يغيب به عن لمة العائلة. كان بإمكانه أن يعود إلى منزله ليجد راحته، لكنه فضّل أن يبقى بيننا حتى آخر النهار، يشاركنا الضحك والذكريات. حضوره الدافئ كان أطيب من كل الأطعمة، وكأنه أراد أن يترك لنا وصية قبل رحيله: أن اجتماع القلوب أعظم من وفرة الأطباق، وأن المودة التي تجمع الأحبة أغلى من كل ما يُقدَّم على المائدة. لقد علّمنا العم جمال أن الحب أقوى من الألم، وأن الصبر على التفاصيل الصغيرة هو سر بقاء اللمة ودفء العائلة

الموقف الثالث: في زيارته الأخيرة لبيت أخيه العم المرحوم محمد خلال الأسبوع الماضي، التقى العم جمال ببنات أخيه، وفاجأ الجميع حين طلب منهن صورة جماعية. لم يكن ذلك طلبًا عابرًا كما قد يبدو، فقد عرفناه قليل الطلب، زاهدًا في إظهار الرغبات، لكنه في تلك اللحظة أصرّ وكأنه يريد أن يترك لنا أثرًا ملموسًا يبقى بعد الغياب. التُقطت الصورة بابتسامة مشرقة تجمعه معهن، لكنها لم تكن مجرد صورة، بل كانت وصية صامتة ورسالة عميقة تقول: اجتمعوا دائمًا، ولا تدعوا تفرّق الأيام يسرق دفء العائلة. لقد أراد أن يذكّرنا أن الصور قد تُعلّق على الجدران، لكنها قبل ذلك تُعلّق في القلوب، شاهدة على محبة لا يبددها الموت.

خلاصة المواقف الثلاثة: تلك المواقف الثلاثة لم تكن عابرة، بل كانت لوحات وداعية رسمها العم جمال بحضوره المميز وروحه الصافية. في الأولى، علّمنا أن نترك للابتسامة مجالًا كي تحيا، وفي الثانية أوصانا أن نبقى مجتمعين مهما كانت التفاصيل، وفي الثالثة ترك لنا أثرًا خالدًا يوثق رابطة الدم والمودة. كانت رسائله الأخيرة مثل شموعٍ أضاءت ليل الفقد، لتبقى لنا منارة بعد رحيله.

رحمك الله يا أبا علي، رحمة الأبرار، وأسكنك فسيح الجنان مع الأخيار. لقد رحلت، لكنك تركت لنا ما يبقى: دروسًا حيّة، وذكريات خالدة، ورسائل صامتة تنير دروبنا كلما اشتدت علينا العتمة.

الشكر الجزيل لكم جميعًا، أهلنا وأحبتنا في بلدتنا الطيبة أم الحمام، ولكل الأهل والأحباب في أرجاء القطيف وخارجها، من مواطنين ومقيمين، ولجميع من تكبد عناء الحضور من خارج المحافظة، وخاصة من دول الخليج العربي. لقد كانت مواساتكم الصادقة ومشاركتكم الكريمة بلسمًا يخفف عنا وقع المصاب، ويعيننا على الصبر والثبات.

حضوركم، رسائلكم، وتعازيكم جسدت معاني الأخوة والوفاء، وأكدت أن المحبة باقية والقلوب متصلة مهما كان الفقد عظيمًا. نسأل الله أن يحفظكم جميعًا، ويجزيكم عنا خير الجزاء، وألا يريكم مكروهًا في عزيز عليكم، وأن يجعلنا وإياكم من المتحابين فيه، المتواصين بالصبر والرحمة.

Previous post القاتل الصامت: ضغط الدم يهدد الدماغ والذاكرة
Next post هل يمكن أن نجد أسرار العافية في مكان آخر من هذا العالم؟