استعد قوة تركيزك: طريقك نحو توازن أذكى وإنتاجية أعمق في العصر الرقمي

ومضات معرفية من كتاب ” مدى الانتباه: طريقة رائدة لاستعادة التوازن والسعادة والإنتاجية”

 

ترجمة وبتصرف: عبدالله سلمان العوامي

تاريخ نشر الترجمة: ٣ مارس ٢٠٢٦م

تاريخ اصدار الكتاب: بغلاف ورقي في ١٠ يناير ٢٠٢٣م، وبغلاف مقوى في ٤ مارس ٢٠٢٥م

مؤلفة الكتاب: السيدة غلوريا مارك Gloria Mark، نبذة مختصرة عن سيرتها الذاتية تجدها في الصفحة الأخيرة.

اسم الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية:

مدى الانتباه: طريقة رائدة لاستعادة التوازن والسعادة والإنتاجية

Attention Span:  A Groundbreaking Way to Restore Balance, Happiness and Productivity

المصدر: منصة الوميض Blinkist

تنصّل:

لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتربية والاقتصاد والتقنية وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.

وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.

تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون Amazon:

حصل الكتاب على تغطية إعلامية متعددة حيث ظهر في برنامج «آرمشير إكسبيرت» Armchair Expert مع السيد داكس شيبرد Dax Shepard، وبرنامج «ذا إزرا كلاين شو» The Ezra Klein Show، وصحيفة وول ستريت جورنال The Wall Street Journal، وصحيفة نيويورك تايمز The New York Times، وغيرها

اختير من ضمن أفضل كتب عام ٢٠٢٣م في فئة الكتب الواقعية (غير الروائية) من نادي “نادي الفكرة الكبيرة التالية” «نكست بيغ آيديا كلوب» Next Big Idea Club.

كما صنف من أفضل الكتب الواقعية الجديدة التي تستحق الإضافة لقائمة القراءة في عام 2023 حسب مجلة “كوزموبوليتان COSMOPOLITAN “.

علق السيد (كال نيوبورت Cal Newport) عن الكتاب قائلا: أعِد اكتشاف قدرتك على الانتباه من خلال هذا النهج الثوري الجديد الذي يقدّمه «الخبير المرجعي في التشتّت وتعدّد المهام».

خلاصة نتائج البحث في هذا الكتاب: نحن نقضي في المتوسط 47 ثانية فقط على أي شاشة قبل أن نحول انتباهنا إلى شيء آخر. ويستغرق الأمر 25 دقيقة لاستعادة تركيزنا على مهمة ما بعد تعرضنا للمقاطعة. والأسوأ أننا نقاطع أنفسنا أكثر مما يقاطعنا الآخرون.

في كتاب مدى الانتباه Attention Span، تكشف عالمة النفس السيدة غلوريا مارك Gloria Mark عن هذه النتائج المدهشة والمفاجئة التي توصلت إليها من خلال أبحاثها التي استمرت لعقود حول كيفية تأثير التكنولوجيا على انتباهنا. وتوضح أن الكثير مما نعتقد أننا نعرفه هو أمر خاطئ وغير دقيق، بما في ذلك رؤى مثل:

  • لماذا يضرّ تعدّد المهام بالإنتاجية بدلًا من أن يعزّزها
  • كيف تُفاقم وسائل التواصل الاجتماعي والترفيه الحديث قِصر مدى انتباهنا
  • ما الذي يستنزف مواردنا الذهنية، وكيف يمكننا إعادة شحنها
  • الأنواع الأربعة للانتباه التي نمارسها يوميًا، وكيف نتعرّف إليها

بينما كان يُنظر سابقاً إلى مفهوم “التدفق” (flow) على أنه الحالة المثالية للتركيز، تقدم المؤلفة الدكتورة مارك Dr. Mark إطاراً جديداً يساعد في تفسير كيفية عمل أدمغتنا في العالم الرقمي، وهو: الانتباه الحركي (kinetic attention). ويكشف هذا الكتاب كيف يمكننا تولي زمام السيطرة، ليس فقط لتحقيق المزيد من النجاح في حياتنا المهنية، بل وأيضاً لننعم بالصحة والرفاه في حياتنا اليومية.

المحتوى التالي هو ترجمة للنص الإنجليزي في منصة الوميض Blinkist. وهو مكون من مقدمة وخلاصة نهائية بالإضافة الى ٥ ومضات معرفية. وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب:

المقدمة – استعد زمام أمرك في عالم رقمي.

إليك هذا السؤال: كم مرة أمسكت بهاتفك اليوم؟

على مدى العقدين الماضيين، طوّرنا ارتباطًا يكاد يكون غير قابل للانفصال مع أجهزتنا الرقمية. فنحن نقضي ساعات يوميًا أمام الشاشات، ونتنقّل بين مواقع إلكترونية مختلفة، وتطبيقات متعددة، ومنشورات متدفقة.

وقد جاء ذلك بثمن. فقد تقلّص مدى انتباهنا، وأصبحنا نشعر بضغط نفسي أكبر من أي وقت مضى. فمع هواتفنا التي لا تكفّ عن إصدار الإشعارات، ورسائل البريد الإلكتروني التي تتدفّق كل بضع دقائق، والشركات التي تستهدف أكثر رغباتنا بدائية، قد نشعر وكأن انتباهنا خرج تمامًا عن سيطرتنا. ومع ذلك، فإن الانفصال الكامل يكاد يكون مستحيلًا — على الأقل إذا كنت ترغب في الحفاظ على وظيفتك أو حياتك الاجتماعية.

فما الذي يمكنك فعله إذن؟ نأمل أن تساعدك هذه الومضات من كتاب مدى الانتباه Attention Span للدكتورة السيدة غلوريا مارك Gloria Mark. سنقوم بتحليل أبحاثها في العلوم السلوكية لنوضح كيف غيّر العصر الرقمي طبيعة انتباهنا. ثم سنبحث في كيفية توظيف هذه المعرفة لاستعادة السيطرة — ليس بدافع زيادة الإنتاجية فحسب، بل من أجل تعزيز جودة حياتنا ورفاهنا بشكل أفضل.

وبناءً على ذلك، دعونا نبدأ.

الومضة الأولى – انخفاض مدى الانتباه في العصر الرقمي

دعونا نكون صادقين: لا نحتاج إلى بيانات علمية لنعرف أن انتباهنا آخذ في التضاؤل.

ربما لاحظت ذلك في نفسك؛ تلك الرغبة الملحة والمستمرة في إمساك هاتفك، أو الغرق في دهاليز منصة “ريديت” (Reddit rabbit hole) التي لا يبدو أنك تستطيع الخروج منها، أو الساعات التي لا تُحصى التي تقضيها على منصة “تيك توك” (TikTok) دون أن تشعر.

إن العالم الرقمي يستحوذ على انتباهنا بشكل لم يسبقه إليه أي اختراع بشري آخر. ونتيجة لذلك، فقد غيّر الطريقة التي نعيش ونعمل ونفكر بها.

درست المؤلفة السيدة غلوريا مارك Gloria Mark علاقة الناس بالتكنولوجيا الرقمية منذ ما يقرب من نشأتها. وقد أُجريت جزء كبير من هذه الأبحاث في «مختبرات حيّة» (living laboratories)، حيث راقب الباحثون الأشخاص في بيئات وأماكن عملهم اليومية. واستُخدمت ساعات توقيت، وأجهزة عدّ، وملاحظات مكتوبة لتسجيل سلوكهم بدقة.

وإليك ما كشفت عنه النتائج: في المتوسط، يقضي الموظفون نحو ثلاث دقائق في مهمة ما قبل الانتقال إلى أخرى. أما عند العمل على الحاسوب، فهم يحولون انتباههم – من موقع إلكتروني إلى آخر مثلاً – كل دقيقتين ونصف. أو على الأقل كان هذا هو الحال في عام 2004؛ أما بحلول عام 2021، فقد أصبحوا يحولون انتباههم كل 47 ثانية.

وليست كل هذه التحولات في الانتباه واعية ومقصودة. فبعضها يحدث بدافع الملل، وبعضها بحكم العادة، وبعضها الآخر يحدث عندما يفعل الإنترنت أفضل ما يجيد فعله: يسحبنا إلى دهاليز التنقل اللامتناهي ويجذبنا إلى ما يسمى بـ «جحر الأرنب» (rabbit hole)، حيث نتنقل بلا توقف بين الروابط.

وهناك نتيجة أخرى مثيرة للقلق؛ فعندما ينقطع تركيز الأشخاص أثناء مهمة عمل، يستغرق الأمر منهم 25 دقيقة للعودة إلى مهمتهم الأصلية. أحياناً تكون هذه الانقطاعات خارجية، مثل مكالمة هاتفية واردة أو زميل يرغب في الدردشة، ولكنها في كثير من الأحيان تحدث داخلياً عندما يطرأ على الذهن سؤال أو ذكرى أو مهمة عاجلة تستدعي الانتباه.

للتوضيح، فإن تحول الانتباه، وتعدد المهام، والمقاطعات كانت موجودة قبل الإنترنت بفترة طويلة؛ وأدمغتنا في الواقع قادرة إلى حدٍّ كبير على التعامل مع مثل هذه المواقف. ولكن في كل مرة تقوم فيها بذلك، فإنها تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة العقلية، وكلما تكرر الأمر، زاد استنزاف مواردنا بسرعة أكبر. فلا عجب إذن أننا نشعر بالتوتر والإرهاق والاحتراق النفسي أكثر من أي وقت مضى!

هذه النتائج الأساسية حول مدى الانتباه لا ينبغي أن تكون مفاجئة، إلا أن بعض النتائج التي كشف عنها العلماء تتعارض في الواقع مع السرديات التي نقنع بها أنفسنا. هذا صحيح؛ فنحن على وشك دحض بعض الخرافات الشائعة حول الانتباه.

الومضة الثانية – إيقاعات الانتباه

دعونا نعود إلى الوراء قليلاً: ما هو الانتباه على أي حال؟

يعرّفه علماء النفس بأنه القدرة على معالجة أشياء معينة في بيئاتنا بوعي، مع استبعاد أشياء أخرى. ولا توجد منطقة محددة في الدماغ مسؤولة وحدها عن هذه العملية. بل إن نظام الانتباه يتكوّن من مجموعة من الشبكات العصبية المختلفة. وتتعاون هذه الشبكات في تنسيق مهارات مختلفة مثل: الحفاظ على الوعي المستمر (استدامة الوعي)، وتحديد أولويات المهام، واستخدام الذاكرة العاملة، وممارسة الضبط الذاتي.

وبناءً على مدى انخراطنا وتحدينا للموضوع الذي نوجه إليه انتباهنا، يمكننا التمييز بين أربعة أنماط من الانتباه:

  1. التركيز: عندما نكون منخرطين للغاية ونواجه في الوقت نفسه تحدّيًا كبيرًا في أمرٍ ما، نكون في حالة تركيز، كما يحدث حين تنغمس في مشروع عمل يستحوذ على اهتمامك.
  2. الأداء الرتيب (Rote): عندما نكون منخرطين بدرجة عالية دون أن نشعر بأي تحدٍّ يُذكر، نكون في حالة أداء رتيب، مثل التنقّل بين مقاطع تيك توك (TikTok) أو لعب كاندي كراش (Candy Crush).
  3. الملل: عندما نفتقر إلى الانخراط ولا نشعر بأي تحدٍّ، نكون في حالة ملل.
  4. الإحباط: عندما لا نكون منخرطين لكننا نواجه تحدّيًا كبيرًا، نكون في حالة إحباط.

ثمة اعتقاد شائع مفاده أنه لكي نكون منتجين، ينبغي أن نسعى إلى التركيز فوق كل شيء. لكن الحقيقة أن لكل حالة انتباه وظيفتها وقيمتها. في الواقع، حتى الأنشطة الرقمية الروتينية مثل لعبة “كاندي كراش Candy Crush” يمكن أن تكون مفيدة لنا؛ وذلك لأننا لا نستطيع الحفاظ على التركيز للأبد. فأنواع الانتباه المختلفة تنحسر وتتدفق طوال اليوم وبالنسبة لمعظم الناس، يبلغ التركيز ذروته عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، ثم يعود ليرتفع نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، بينما يصل الملل إلى ذروته بعد الغداء بقليل.

السبب في أننا لا نستطيع الحفاظ على التركيز إلى ما لا نهاية هو أنه يستهلك قدرًا كبيرًا من مواردنا المعرفية — وهذه الموارد ليست بلا نهاية. ولإعادة شحنها، نحتاج إلى أخذ فترات استراحة. وإلى جانب النوم الجيد والعطلات المريحة، يمكن للأنشطة الذهنية البسيطة منخفضة الجهد أن توفّر فواصل يومية قصيرة تساعدنا على استعادة طاقتنا. واللافت أن الناس يميلون إلى الشعور بسعادة أكبر أثناء الأنشطة الرتيبة مقارنة بحالة التركيز المكثف، مما يعني أن لها فائدة إضافية تتمثل في تحسين مزاجنا.

ثم هناك خرافة «التدفّق» (flow): تلك الحالة النادرة من التركيز العميق التي تنغمس فيها في مهمة ما إلى درجة تفقد معها الإحساس بالوقت تمامًا. وغالبًا ما يختبر الفنانون هذه الحالة أثناء الرسم أو تأليف الموسيقى. لكن «العمل المعرفي» (knowledge work) — الذي يتضمن قدرًا كبيرًا من التواصل والبحث والتحليل — لا يتيح في العادة فرصًا كثيرة لبلوغ هذه الحالة.

لا يعني ذلك أن العاملين في هذه المجالات لا يمكنهم أن يكونوا سعداء، منخرطين، ومنتجين. كل ما عليهم هو أن يتعلّموا الانسجام، كيفية “التدفق”، مع إيقاعات انتباههم الطبيعية. وسنعود إلى هذه النقطة لاحقًا، عندما نستعرض بعض النصائح والأساليب العملية لتوجيه انتباهك بوعي وفاعلية.

الومضة الثالثة – التكاليف الخفية للتشتّت وتعدّد المهام

بات واضحًا الآن أن انتباهنا ليس خاضعًا بالكامل لسيطرتنا الواعية. ففي حالة التركيز، نوجّه طاقتنا نحو هدف محدد — مثل كتابة ورقة بحثية. لكن انتباهنا يتأثر أيضًا بمشتتات خارجية — كأن يناديك أحدهم باسمك وبصوت عالٍ، على سبيل المثال، أو صوت إشعار على هاتفك.

وعندما يتعرض الأشخاص لمقاطعات متكررة في عملهم بسبب هذه المشتتات، فإنهم يبلّغون عن مستويات أعلى من الإحباط والضغط والتوتر. ولا غرابة في ذلك — فكما نعلم، نحتاج إلى نحو 25 دقيقة للعودة إلى العمل بعد أي انقطاع. لكن ما قد يثير دهشتك هو أن الناس يقاطعون أنفسهم تقريبًا بالقدر ذاته الذي تقاطعهم فيه العوامل الخارجية.

وجد الباحثون أن الناس يغيرون اتجاه انتباههم في 44% من الحالات دون وجود أي محفز مرئي. لقد اختبرت أنت ذلك بنفسك بالتأكيد: تكون في منتصف مهمة ضرورية وفجأة تسيطر عليك رغبة ملحة أن تطل على منصة “إنستغرام” (Instagram)، أو تشعر بحاجة لمعرفة متى توفي الفنان السيد “برينس” (Prince)، أو تتذكر فجأة أنه يجب عليك حجز موعد عند طبيب الأسنان.

وكلما زادت المقاطعات الخارجية التي نتعرض لها، زاد معدل مقاطعتنا لأنفسنا. قد تكون هذه المقاطعات مهدئة أحياناً، فهي تمنح عقولنا استراحة قصيرة من العمل الشاق وتساعدنا في إدارة التوتر، لكنها قد تخلّف أيضًا مشاعر عالقة، وتستنزف مواردنا المعرفية، وتجرّنا إلى دوامات التصفح اللانهائي على الشاشات.

تعتمد مدى جودة تعاملنا مع المقاطعات على مجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والبيئية والوراثية؛ فالنساء، على سبيل المثال، أفضل قليلًا من الرجال في العودة إلى المهام التي انقطعن عنها. كما أنهن يمِلن إلى إدارة «مجالات» العمل المتزامنة بدرجة أسهل.

وقد يكون في ذلك بعض الصحة للمقولة الشائعة بأن النساء أقدر على تعدّد المهام. لكن لا تخدع نفسك: إن نسبة “أصحاب المهام الفائقة” (supertaskers) – أي أولئك القادرين على أداء مهام متعددة من دون التأثير في مزاجهم أو أدائهم – ضئيلة جدًا. وبالنسبة لمعظمنا، لا يمكن الانتباه إلى أمرين في الوقت نفسه إلا إذا كان أحدهما تلقائيًا إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، من المحتمل ألا تواجه مشكلة في التحدث عبر الهاتف أثناء المشي. أما إذا كانت المهمتان تتطلبان جهدًا واعيًا — كإجراء مكالمة عبر منصة زوم (Zoom) أثناء كتابة رسالة بريد إلكتروني — فإننا في الحقيقة لا نركّز على المهمتين في آن واحد، بل نبدّل انتباهنا بسرعة بينهما. وهذا يستهلك قدرًا كبيرًا من مواردنا الذهنية.

لكن بذل الجهد لمقاومة المشتتات يمكن أن يستنزف الموارد أيضاً؛ فمحاولة مقاومتها باستمرار تستهلك قدرًا كبيرا من الطاقة الذهنية أيضًا. فـ «التحكّم الذاتي» يشبه العضلة — إذا استخدمناه بإفراط على مدار اليوم، يضعف تدريجيًا إلى أن يفقد فاعليته. ويمتلك بعض الأشخاص “عضلات” تحكم في الذات أقوى من غيرهم.

ومن المثير للدهشة أن الأشخاص المنضبطين للغاية ذوي الضمير الحيّ المرتفع (high conscientiousness) يقضون وقتًا أطول على مواقع الترفيه مقارنة بأقرانهم. قد تظن أن ذلك يجعلهم أكثر عرضة للتشتّت، لكنهم في الواقع أقدر على سحب أنفسهم مجددًا إلى العمل. وهذا يتيح لهم استخدام هذه الأنشطة بوصفها فواصل واعية ومقصودة. أما بقية الناس، فعليهم الاستمرار في تدريب عضلة التحكّم الذاتي تدريجيًا، خطوة بعد خطوة.

الومضة الرابعة – النجاة تكمن في اقتصاد الانتباه

ثمّة خرافة حديثة أخرى تحيط بانتباهنا، مفادها أننا نستسلم للمشتّتات والمقاطعات وتعدّد المهام بسبب ضعف الانضباط. فنحن نقنع أنفسنا بأننا لا نبذل جهدًا كافيًا للحفاظ على تركيزنا.

لكن وجهة النظر هذه تتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن سلوكنا يتشكل بفعل الثقافة والتكنولوجيا والتوجهات السائدة في عصرنا الحالي.

أصبح الإنترنت حاضر في كل مكان في عصرنا الحالي. والسبب في انتشاره الواسع إن ببنيته الشبكية تحاكي تماما بنية عقولنا. فالروابط التشعبية (hyperlinks) تتيح لنا إشباع فضولنا عبر تتبّع الروابط المتشابكة، تمامًا كما نفعل حين تسرح أفكارنا بحرية وخيالنا بمفرده. قد نبدأ بالقراءة عن السيد ليوناردو دا فينشي Leonardo da Vinci، ثم ننتقل بسلاسة إلى مقال عن لوحة الموناليزا Mona Lisa، وننتهي بتعلّم شيء عن التاريخ الفرنسي.

قد يبدأ انتباهنا موجَّهًا بهدف محدد — كأن نبحث عن معلومة تخص السيد ليوناردو دا فينشي — لكنه يتحول تدريجيًا إلى انتباه أكثر انفتاحًا واغتنامًا للفرص. فدماغنا يعلم أن خلف كل رابط مكافأة جديدة: مزيدًا من المعلومات. لذا ننقر، وغالبًا من دون وعيٍ كامل بقرارنا.

لقد أدركت الشركات منذ زمن طويل كيف تستفيد من هذا التأثير وتستثمره؛ فهي توظّف الخوارزميات لجمع بيانات عن شخصياتنا واهتماماتنا وسلوكياتنا، بهدف التنبؤ بالروابط والمحتوى الذي سيدفعنا إلى النقر. وكما تُظهر التجربة اليومية، فقد بلغت هذه الشركات درجة لافتة — بل ومقلقة — من الدقة في ذلك؛ إذ أصبح الهاتف الذكي اليوم قادرًا على استخدام بيانات مستشعراته لتحديد ما إذا كنت تمارس رياضة الجري أم لا.

ولأن شركات التواصل الاجتماعي تريدك أن ترى أكبر عدد ممكن من الإعلانات، فإن من مصلحتها إبقاؤك في حالة تمرير مستمر من التصفح. وهي تفعل ذلك من خلال خوارزميات تروج للمحتوى الذي يثير ردود فعل عاطفية مثل السعادة، والمفاجأة، والخوف، والاشمئزاز، وحتى الغضب.

ومع تقلّص مدى انتباهنا، تقلّص المحتوى أيضًا — أو ربما حدث العكس فالأمر يشبه معضلة “الدجاجة أم البيضة”. لكن ما نعرفه يقينًا هو أن منصات مثل تيك توك TikTok، وإنستغرام Instagram، وفيسبوك Facebook تفرض حدودًا زمنية على طول المحتوى المنشور. وحتى معظم الإعلانات الرقمية لا تتجاوز عشر ثوانٍ. ولا يقتصر الأمر على الإنترنت فحسب؛ فالمشاريع السينمائية اليوم تقوم بعملية قطع (Cuts) بين المشاهد  كل أربع ثوانٍ، بينما في عام 1980، كانت هذه الانقطاعات تحدث بنصف هذا المعدل تقريباً.

وقد أظهرت الدراسات أن هذا الإيقاع السريع في المحتوى المرئي يرفع معدّل ضربات القلب، ويزيد الاندفاعية، ويستنزف مواردنا المعرفية. وإذا أضفت إلى ذلك حقيقة أن الشخص العادي يقضي ما يقرب من 10 ساعات يومياً أمام نوع ما من الشاشات، فستبدأ حقاً في رؤية الصورة الكاملة.

عندما يتعلق الأمر باستعادة السيطرة على انتباهنا، فإننا نواجه قوى هائلة. والسؤال هنا: ماذا بوسعنا أن نفعل؟

الومضة الخامسة – استعادة انتباهك

إذا كانت الشركات بارعة جداً في التلاعب بنا لدرجة أننا لم نعد واعين بخياراتنا عبر الإنترنت، فما مقدار السيطرة التي نمتلكها حقاً؟

يمكننا الدخول في جدل فلسفي مطوّل حول حرية الإرادة. لكن معظم علماء النفس يتبنّون منظورًا يُعرف بـ «الحتمية المرِنة» (soft determinism). ويفيد هذا المنظور بأن التنشئة والظروف تؤثر تكييفنا (برمجتنا السلوكية)، الذي يشكل سلوكنا لكنه لا يحدده بشكل كامل. ومن هنا، فإن استعادة انتباهنا تبدأ بتعزيز «الوكالة الرقمية» (digital agency) لدينا — أي قدرتنا الواعية على توجيه سلوكنا بأنفسنا في البيئة الرقمية.

ولتحقيق ذلك، علينا أولًا تنمية وعيٍ فوقي (meta-awareness) بسلوكنا الرقمي. ويعني هذا إدراك عاداتنا، وفهم القوى التي تحاول جذب انتباهنا والتأثير فيه، والتعرّف على المشتّتات التي نعجز عن مقاومتها أكثر من غيرها.

ويمكننا تنمية هذا الوعي عبر تعويد أنفسنا على طرح الأسئلة المناسبة. فعلى سبيل المثال، قبل الدخول إلى منصة إنستغرام Instagram، اسأل نفسك: ما الذي سأكسبه من ذلك؟

وعندما تكون بالفعل على منصة إنستغرام، اسأل نفسك: كم من الوقت أمضيت هنا؟ وماذا أستفيد فعلًا؟ يمكنك أيضًا أن تتخيّل نهاية يومك — عندما تعود إلى المنزل من العمل، كيف سيكون شعورك بعد قضاء ساعتين في دهاليز «جحر الارنب لمنصة يوتيوب» (YouTube rabbit hole)؟

كلما تذكرت طرح هذه الأسئلة بشكل متكرر، سيسهل عليك استحضارها في المرة القادمة. وتذكر: إن الضبط الذاتي يشبه العضلة، يقوى بالتدريب المنتظم.

ومن المفيد أيضًا أن تنسجم مع إيقاعات انتباهك الطبيعية. فمعظم الناس يبلغ تركيزهم ذروته نحو الساعة 11:00 صباحًا، ثم مرة أخرى قرابة 3:00 بعد الظهر، بينما يحدث أكبر هبوط في التركيز بعد الساعة 1:00 ظهرًا. ومع إدراكك لذلك، يمكنك تنظيم يومك بحيث تنجز أصعب مهامك خلال فترات الذروة.

وعليك كذلك أن تتعلم تمييز اللحظات التي ينخفض فيها انتباهك، وأن تخصّص لتلك الفترات استراحات مقصودة من أنشطة روتينية رتيبة. قد يكون ذلك تصفحًا سريعًا لوسائل التواصل الاجتماعي، أو نزهة قصيرة سيرًا على الأقدام. ومن الأوقات المناسبة لتحويل انتباهك تلك الفواصل الطبيعية في سير عملك — كأن تنتهي من قراءة فصل، أو ترسل رسالة بريد إلكتروني، ثم تأخذ استراحة واعية قبل الانتقال إلى المهمة التي تليها.

عندما تنخرط في نشاط رقمي رتيب مثل لعب كاندي كراش Candy Crush، ازرع «خطافًا» يعيدك إلى العمل. فمثلًا، حدّد وقت الاستراحة قبل مكالمة بعشر دقائق، بحيث يشكّل موعد المكالمة إشارة للعودة. فقط احرص على ألا تفوّت الاتصال!

وفي المحصلة، فإن بناء علاقة صحية مع التكنولوجيا يتطلّب تغييرًا على المستوى الفردي والمؤسسي والمجتمعي. فبإمكان الشركات، على سبيل المثال، تخصيص ساعات خالية من البريد الإلكتروني، كما تستطيع الحكومات دعم برامج تعليم الثقافة الإعلامية في المدارس.

فبقدر ما غيّرتنا التكنولوجيا، ينبغي أن نتذكّر أيضًا أن العالم الرقمي هو من صنعنا نحن. وعندما نبدأ بفهم سلوكنا بعمق، يمكننا توظيف «الانتباه الحركي» (kinetic attention) الجديد لصالحنا بدل أن نكون أسرى له.

الخلاصة النهائية

لقد غيّرت التقنيات الرقمية بنية انتباهنا. ومع ترسّخ اعتمادنا على الشاشات، تقلّص مدى انتباهنا — فالموظف العادي يقضي اليوم نحو 47 ثانية فقط على الشاشة قبل أن يبدّل انتباهه. كما أن اعتيادنا على مقاطعة أنفسنا وتعدّد المهام يؤثر في أدائنا، والأهم من ذلك، انه يؤثر أيضا على رفاهيتنا.

وليس الأمر كلّه خطأنا؛ فالإنترنت مُصمَّم بإتقان لجذب عقولنا، وقد أصبحت الشركات الرقمية خبيرة في التلاعب والتأثير على انتباهنا. وإذا أردنا استعادة وكالتنا الرقمية (digital agency) على أنفسنا واستعادة السيطرة على انتباهنا، فعلينا أولًا فهم هذه القوى التي تؤثر فيه. وعندها فقط يمكننا الانسجام مع الإيقاعات الطبيعية لانتباهنا، مع حمايته من المشتّتات. لسنا بحاجة إلى الانفصال التام عن شبكة الانترنت، ولا حتى إلى حذف تطبيق لعبة كاندي كراش Candy Crush — بل نحتاج فقط إلى أن نكون أذكى من أجهزتنا الذكية.

نبذة مختصرة عن المؤلفة

السيدة غلوريا مارك Gloria Mark أستاذة المعلوماتية بدرجة «أستاذ مستشار» (Chancellor’s Professor of Informatics) في جامعة كاليفورنيا، إيرفاين (University of California, Irvine). حصلت على درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة كولومبيا (Columbia University)، وعملت باحثة زائرة في مختبرات مايكروسوفت البحثية (Microsoft Research).

كرّست الدكتورة مارك أكثر من عقدين لدراسة تأثير التكنولوجيا الرقمية على الإنسان، خاصة في مجالات تعدد المهام، والمقاطعات، والإنتاجية، والمزاج، ضمن إطار أبحاث التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human-Computer Interaction). نشرت أكثر من 200 بحث علمي، وانضمّت عام 2017 إلى أكاديمية إيه سي إم سيغتشي (ACM SIGCHI Academy) التي تكرّم الروّاد في هذا المجال.

وقد عُرضت أعمالها في فعاليات دولية مثل مهرجان ساوث باي ساوث ويست (SXSW) ومهرجان أفكار آسبن (Aspen Ideas Festival)، كما تناولت أبحاثها وسائل إعلام مرموقة مثل صحيفة نيويورك تايمز The New York Times، وصحيفة ول ستريت جورنال The Wall Street Journal، وراديو إن بي آر NPR، ومجلة ذا أتلانتيك The Atlantic، وقناة بي بي سي BBC، وغيرها.

Previous post عقليتك تصنع مستقبلك: من أسر الموهبة إلى قوة النمو المستمر

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *